فهرس الكتاب
قد أصبحت أم الخيار تدّعي = عليّ ذنبا كلّه لم أصنع
يوضح ذلك بأنك إن نصبت (كلّه) اقتضى سلب عموم صنيع الذنب، أي: فعلت بعضه، لا كله؛ لوقوع كلّ مفعولا، وعدم الابتداء في التقدير، وإن رفعته، اقتضى عموم سلب صنيع الذنب، أي: أني لم أصنع منه شيئا، لوقوع (كل) مبتدأ؛ إذ شأن حرف السلب، سلب ما بعده عما قبله، أو سلب ما قبله عما بعده.
ومنها: إنما، والكلام فيها في أمرين.
أحدهما: أنها تقتضي الحصر عند الأكثرين، وخالف قوم:
احتج الأولون بفهم ابن عباس في انحصار الربا في النسيئة من قوله صلى الله عليه وسلم: (( إنما الربا في النسيئة ) )وبأن المفهوم لغة من"إنما في الدار زيد"أن ليس فيها سواه وبأن إنّ للإثبات ولا للنفي، فاقتضيا مجتمعين ما اقتضيا منفردين، وليس مقتضى ذلك نفي المذكور، وإثبات ما عداه إجماعا، فتعين عكسه، وهو المراد بالحصر.
وأجيب عن الأول: بأن ابن عباس فهم الحصر من استصحاب النفي الأصلي، لا من"إنما"ولو لم يكن إلا احتمال ذلك، لقدح في الدعوى.
[الإكسير في علم التفسير: 195]
وعن الثاني: أن ذلك لقرينة، والكلام مع تجردها عنها.
وعن الثالث: بأنا لا نسلم أن"ما"الكافة لإن، هي النافية؛ إذ أقسام"ما"كثيرة، فتخصيص النافية منها بهذا المكان تحكم. ثم إن"ما"هذه هي الكافة، لأخوات إن وهي:"كأن وليت ولعل ولكن"في قولنا:"كأنما زيد أسد""ولكنما عمرو قائم"ولو جُعلت فيهن نافية، لفسد المعنى، سلمناه، لكن لا نسلم اقتضاءهما مركبين ما اقتضياه مفردين، بدليل"لولا"، فإن تركيبها أزال مقتضى مفرديها، فعلى هذا هي: لإثبات المذكور إثباتا مؤكدا فقط.
الثاني: معنى الحصر فيها على القول به: إنها إن وليتها جملة اسمية اقتضت انحصار المبتدأ في الخبر، نحو:"إنما زيد قائم"فزيد منحصر في كيفية القيام، وليس على كيفية سواه.
وإن وليت جملة فعلية، اقتضت انحصار الفعل في الفاعل، نحو:"إنما قام زيد"فالقيام منحصر في زيد، أي: لم يقم غيره، ومن أمثلتها: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} فالمؤمنون منحصرون في الأخوة، بمعنى: أنه لا عداوة بينهم في وضع الشرع أصلا.
{قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} اقتضى انحصار ذاته في الإلهية والوحدانية بمعنى: أنه لم يجب وجوده إلا لأنه إله واحد، لا للحوق تعدد ولا لغير الإلهية، {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ} اقتضى حصره صلى الله عليه وسلم في البشرية، بمعنى: أنه ليس ملكا، ولا جنا، ولا شيئا من غير نوع البشر.
وإنما العزة للكاثر
[الإكسير في علم التفسير: 196]
اقتضى حصر العزة في الكاثر بالرجال والأهل، أي: لا عزة لمن لا رهط له، أو لمن قل رهطه، وعلى هذا فقس، فإنه مطرد.
فإن قلت: لم يطّرد في نحو: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} الآية، ونحو: (( إنما الأعمال بالنيّات ) )و (( إنما الربا في النسيئة ) )لثبوته في التفاضل.