فهرس الكتاب
قلت: أما الآية، فالمراد بها: إنما المؤمنون الكاملون بالإيمان، فيستقيم الحصر إذن.
وأما الثانية: فليس عدم الاطراد فيها راجعا إلى اقتضاء"إنما"الحصر، لا عدمه، بل إلى تخصيص عموم الواقع بعدها بتخصيص ما.
واعلم أن خبر الجملة الاسمية الواقعة بعد"إنما"إذا كان جارا ومجرورا متعلقا بالخبر الحقيقي محذوفا، فيختلف في الحكم؛ للاختلاف في تقديره، كهذه الصورة، إذ بعضهم يجعل تقدير"إنما الأعمال"صحيحة بالنيات، وبعضهم كاملة بالنيات، فيكون الخلاف على القول بالحصر في جهته لا في حقيقته، فتنبه لهذا.
ومنها التقديم والتأخير في الاستفهام.
وحكمه ما سبق في النفي: وهو أن الواقع بعد حرف الاستفهام إن كان الفعل فهو المستفهم عنه، المشكوك في وجوده نحو:"أؤكب الأمير"؟ فالمركوب هو المشكوك فيه، وإن كان الاسم فالسؤال عنه والشك في تعيين الفاعل وكذا الكلام في المستقبل واسم الفاعل نحو:"أتفعل هذا؟"و"أأنت تفعل هذا؟"و"أضارب أنت زيدا؟"و"أأنت ضارب زيدا؟".
ثم إن للاستفهام معاني:
أحدهما: الاستعلام، وهو الأصل كما سبق.
الثاني: التأسيس، نحو: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} لأنه تعالى لم يكن مستفهما، ولا منكرا عليه، ولكنه رآه خائفا، فآنسه وحقق عنده أنّ ما في يده عصا؛ ليتحقق حصول المعجز عند قلبها حية، وبهذا المعنى قد سمي استفهام التقرير.
[الإكسير في علم التفسير: 197]
الثالث: الإنكار، وله أنواع خاصة.
أحدها: استضعاف الفاعل، كقولك لرجل همّ بمبارزة من هو أشد منه، وأنت تستضعفه عن ذلك"أأنت تقتل الأسد؟"ومنه قوله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} أي أنت تضعف عن مغالبة مشيئة الله، فلا تقدر على ذلك.
الثاني: استبعاد الفعل؛ لاستضعاف الفاعل، أو غيره، نحو: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ} .
وقول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفّي مضاجعي = ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟
أي هذا بعيد.
الثالث: نحو"أنا أسعى إلى زيد؟"احتقارا له.
الرابع: التعظيم، نحو:"أزيد العامّيّ يقتل الأمير؟"أو"يشتم القاضي؟"و"أعقرب تقتل أفعى؟"و"أثعلب يفترس أسدا؟"و"أجهني يشتم هاشميا؟"وهذه الصور ونحوها تضمنت الاحتقار من طرف الفاعل، والتعظيم من جهة المفعول، والتي قبلها بالعكس.
الخامس: التشريف، كقولك لرجل وقور:"أمثلك يفسد؟"أي أنت أشرف من هذا.
[الإكسير في علم التفسير: 198]
السادس: تجهيل الفاعل والطعن على رأيه، كقوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} أي: إني إذا الضعيف الرأي. {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونَنِي أَعْبُدُ} {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا} ؟ أي: إنكم أيها الكافرون سفهاء في