فهرس الكتاب
ونظمه: فقد بيّن لي صرد يصيح بوشك فراقهم، والشك عناء، فقد فصل بين قد والفعل بغير القسم، وهو رديء، وبين الفعل وهو: بيّن وفاعله وهو: صرد، بخبر المبتدأ الذي هو"عناء"وفصل"يصيح"المقدمة عليه"بوشك"وبين المبتدأ، وهو"الشك"وخبره وهو"عناء"بالفعل، وهو"بين"، وكل ذلك غير جيد، لهذا قبح البيت وزال رونقه.
ونحو قول الآخر:
نظرت شخصي مطلع الشمس ظله = إلى الغرب حتى ظله الشمس قد غفل
تقديره"نظرت مطلع الشمس وشخصي ظله إلى الغرب"ففصل بالمبتدأ وهو"شخصي"بين الفعل ومفعوله، وبين المبتدأ وخبره بالمفعول المذكور وهو"مطلع الشمس".
والناظم في هذا أعذر من الناثر؛ لما سبق في اجتناب وحشي الألفاظ.
[الإكسير في علم التفسير: 207]
وبين القسمين قسم متوسط: وهو ما لا فائدة له في الكلام، لكن لا يخل بطلاوته وحسنه، كقول النابغة:
يقول رجال يجهلون خليقتي = لعل زيادا لا أبا لك غافل
وقول زهير بن أبي سلمة:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش = ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
فلا أبا لك اعتراض في الأول بين اسم لعل وخبرها.
وفي الثاني بين الشرط وجوابه.
وذكر ابن الأثير من هذا القسم قول بعضهم:
صدودكم والديار دانية = أهدى لرأسي ومفرقي شيبا
وقال ابن هانئ المغربي:
فلا مهجة في الأرض منك منيعة = ولو قطرت في ريق أرقط أرقم
وقال في الأول: ذكر المفرق بعد الرأس لا فائدة له البتة.
وكذا أرقط مع أرقم في الثاني؛ إذ لا فضل للرقطة على غيرها من الألوان، وهذا الذي ذكره ظاهر في عدم الفائدة غير قاطع؛ إذ يحتمل في الأول: عطف الخاص على العام نحو: {وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} إذ
[الإكسير في علم التفسير: 208]
غالب ما ينسب إليه الشيب: المفرق، ولأن دلالة الرأس على جميع أجزائه دلالة عموم، وهي ظنية، فأحب أن ينص على ذكر الجزء المهم، وهو المفرق.
وفي الثاني: يمكن منع أنه لا فضل للرقطة على غيرها من الألوان، بأن الحوايين: وهم أهل الصناعة نصوا على أن تفاوت ألوان الحيات وأخلاقها، يدل على تفاوتها في الخبث والشر، واختلافها، ولهذا يضرب المثل بالحيات"الغبر"التي على لون الأرض، ويشهد لذلك ما ذكره الأطباء: من أن اسوداد الشعر يحدث عن احتراق شديد من حرارة قوته، والأحمر عن حرارة أقل، والأصفر من حرارة دون ما قبلها، والشيب من ضعف الحرارة الغريزية، وإذا كان اختلاف هذه الكيفيات الباطنة يؤثر في اختلاف الأعراض الظاهرة: من سواد وبياض ونحوهما، فليكن اختلاف الأعراض الظاهرة دليلا على