فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 150

اختلاف الكيفيات الباطنة، بطريق دلالة الأثر على المؤثر، وحينئذ لا ينقد مثل ذلك في الحيات، وأن ابن هانئ علم أن للرقطة دلالة على زيادة الخبث، ويؤكد ذلك أمور:

منها أنهم منعوا صرف أفعى، وليس صفة، لكن توهموا فيه معنى الخبث استدلالا على خبثه بصفاته، إما لونه أو سرعة حركته.

ومنها: أنهم أكثروا من ذكر الأسود في أمثالهم وغيرها، ففي الحديث: (( أعوذ بك من شر أسد وأسود، وجن وعفريت ) )وفي الشعر:

تساقوا على حرد دماء الأساود

وفيه:

فكنت كالمولج في جحر يدا = فأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا

وهو دليل على أنهم استدلوا بسواده على غلبة شره كدلالة سواد الآدمي أو شعره علة حرارة باطنه، والله أعلم.

[الإكسير في علم التفسير: 209]

النوع الخامس: في الإيجاز

وهو التعبير عن المعنى الكامل بأقل ما يمكن من الحروف.

وقيل: دلالة اللفظ على المعنى من أقرب طرقه.

وهما مستويان:

وهو مصدر أوجز إيجازا، إذا قصر، ومنه قولهم: عظني وأوجز: أي اقتصر.

واعتناء العرب بهذا النوع شديد، بدليل وضعهم ألفاظا استغنوا بواحدها عن ألفاظ كثيرة، بل غير متناهية، كأدوات الاستفهام، والشرط، ونحوهما؛ لأن قولك:"أين زيد؟"يغني عن قولك:"أفي الدار هو أم في المسجد؟"واستقراء جميع الأماكن كلها،"وكم مالك؟"أغنى عن:"أعشرة أم عشرون أم مائة أم ألف"ونحوها من الأعداد غير المتناهية.

وقولك:"من يقم أقم معه"أغنى عن:"إن يقم زيد أو عمرو أو بكر أو فلان أو فلان أقم معه"، و"ما بالدار أحد"أغنى عن:"ما بها زيد ولا عمرو ولا هند ولا دعْد"ونحو ذلك.

ثم ذهبت جماعتنا إلى أن الإيجاز حسن في الأشعار والمكاتبات ومحاورات الخواص، دون الخطب والتقليدات السلطانية، وكتب الفتوح التي تقرأ في ملأ من العوامّ، مراعاة لأفهامهم؛ إذ التطويل أبلغ في حقهم، وأجدر ألا يخفى عليهم من المكتوب شيء وضعف ابن الأثير ذلك: بأن هذا يوجب مراعاة العامة في استعمال كلامهم الركيك، ولفظ لفظهم المبتذل؛ لأنهم آنس به، وآلف له، ولم يقل به أحد، بل على المؤلف سلوك النهج القويم، والطريق المستقيم؛ ليخرج من عهدة

[الإكسير في علم التفسير: 210]

الملازمة، وليس عليه أن يفهم العامة كلامه، كما قال القائل:

عليّ نحت المعاني من معادنها = وما علي بأن لا تفهم البقر

وأحسن ابن الأثير في هذا الاختيار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت