فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 150

ثم الإيجاز، إما على الحذف، أو بدونه:

الأول: الإيجاز على الحذف على ضروب:

الضرب الأول: الاكتفاء بذكر السبب وعكسه:

فالأول؛ كقوله تعالى: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ} أي: ما شاهدت قصة موسى ولكنّا أوحيناه إليك وحيا يدل على صدقك؛ لمطابقة ما أخبرت به عنه، ما جرى له، فاكتفى عن ذكر الإيحاء بذكر سببه: وهو إنشاء القرون والأمم وتطاول العهد عليهم، لأن ذلك هو سبب الرسالة والوحي.

والثاني: هو الاكتفاء بالمسبب عن السبب، كقوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ} أي: فضرب فانفجرت، فاكتفى بذكر الانفجار الذي هو المسبب عن الضرب الذي هو السبب. ومنه: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي فأفطر فعليه عدّة من أيام أخر، فصيام العدة مسبب عن الإفطار، ومنه: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} أي: إذا أردتم القيام، فالقيام مسبب عن الإرادة.

[الإكسير في علم التفسير: 211]

ومنه: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} أي: إذا أردت القراءة، فالقراءة مسبب عن الإرادة.

وقول من حمله على ظاهره من تعقيب القراءة بالاستعاذة ضعيف؛ إذ المعقول من أمره بالاستعاذة من الشيطان؛ الاعتصام من كيده، وأن يعرض له في قراءته فيخلطها عليه، كما يغلب عليه في صلاته ليقطعها، وكما خلط عليه في سورة النجم، حتى قرأ فيها:"تلك الغرانيق العُلى، إنّ شفاعتهم لترتجى"فإذا أخرها إلى أن يفضي إلى القراءة فأتت تلك الفائدة.

ومنه قوله تعالى: {فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا} أي: لا تكن تابعا ضعيفا في دينك، بحيث يؤثر فيك من يصدّك عنها، فاللين في الدين سبب تأثير قول الصاد الذي هو في سبب الانصداد. وهذه أعجب صور هذا الضرب؛ لأنها تضمنت الاكتفاء بالمسبب عن ذكر السبب البعيد بمرتبتين، فتأمله، والله أعلم.

الضرب الثاني: الإضمار

وهو في اللغة: الإخفاء والستر، تشبيها بالسر في الضمير. قال الأعشى حكاية عن ابنته:

أيا أبتا لا ترم عندنا = فإنّا بخير إذا لم ترم

نراك إذا أضمرتك البلا = دُ نجفى وتقطع منّا الرحم

[الإكسير في علم التفسير: 212]

والضمير عند النحاة: ما وضع للدلالة على متكلم أو مخاطب أو غائب، نحو: أنا، وأنت، وهو، سمّي بذلك لخفائه؛ إذ يتوقف معرفة صاحبه على ظاهر نيته.

والمراد الإضمار هنا: حذف جملة من الكلام على شريطة التفسير، أي: بشرط المشيئة والإرادة، نحو: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} ، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} ، {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ} . وأمثال ذلك كثيرة، وتقديره: لو شاء الله أن يفعل ذلك لفعل. ومنه قول البحتري:

لو شئت لم تفسد سماحة حاتم = كرما ولم تهدم مآثر خالد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت