فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 150

أي: لو شئت أن لا تفسد هذه، ولا تهدم هذه لفعلت. واطرد حذف هذا المفعول بين أهل هذا الشأن، حتى صاروا يعدون إظهاره عيًا وركاكة في المنطق، إلا في مكان مهم، نحو: {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} .

وقول الشاعر:

ولو شئت أن أبكي دما لبكيته = عليه، ولكن ساحة الصبر أوسع

[الإكسير في علم التفسير: 213]

كأن الله تعالى أراد رد قول الكفار:"اتخذ الله ولدا"بما يطابقه في اللفظ؛ ليكون أبلغ في الرد.

والشاعر أراد التصريح ببكائه الدم على تقدير إرادته له؛ مبالغة في حكاية وجده وحزنه، وفي مثل هذا: الإظهار خير من الإضمار، بل هو واجب؛ لأنه لو حذف لم يكن في الكلام دليل على خصوصيته.

ومنه حذف المعلول، كقوله تعالى: {وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} . وفي قصة مريم: {كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ} أي: فعلنا ما فعلناه من إحياء العزير، وإحياء حماره، وخلق عيسى من غير أب؛ لنجعلهما آية للناس، فالعلة مذكورة، والمعلول مضمر.

ومنه حذف أحد القسمين اللذين يقتضيهما الكلام، كقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ} . ولم يذكر القسم الآخر الذي تقتضيه أما، إذا وضعها لتفضيل كلام مجمل.

وأقل أقسامها قسمان، ولا ينفك عنهما في جميع القرآن إلا في هذا الموضع، وموضع آخر سيأتي ذكره؛ وتقدير قسمها الثاني في هذا المكان: «وأما مَن لم يتب ولم يؤمن ولم يعملْ صالحًا، فلا يكون من المفلحين» . ولكنه لما استفيد من القسم الأول بدليل الخطاب أضمر.

والموضع الثاني: في آل عمران، وهو قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} إلى قوله: {إِلاَّ اللَّهُ} ، فهذا أحد القسمين، والقسم الثاني ما بعده وتقديره:"وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنَّا به"لكن لما كان

[الإكسير في علم التفسير: 214]

القسم الأول يدل على هذا القسم من حيث أن (أما) تقتضي قسمين، وحيث إن ذكر أحدهما تعين تقدير الثاني على نهجه كما ذكرناه، حذفت (أما) من صدره لدلالتها في صدر القسم الأول عليها هاهنا، ثم حذفت الفاء من جوابها تبعًا لها.

ومنه قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} أي: ومن أنفق بعده، فحذف هذا القسم؛ لدلالة قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} .

ومنه حذف خبر المبتدأ، كقوله تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} أي: أهذا اخترام من جعل صدره ضيقا حرجا، فقسا قلبه؟، أو أهذا المشروح الصدر كمن أقسى الله قلبه فحدث ذلك؟ بدليل قوله: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} .

وقد يظهر الخبر، وهو الأصل، نحو: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ، والله أعلم.

الضرب الثالث: حذف المفعول به

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت