فهرس الكتاب
(الزِّيَادَاتُ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ)
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ الْأَخْرَمِ [1] : قَلَّ مَا يَفُوتُ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.
وَقَدْ نَاقَشَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي ذَلِكَ, فَإِنَّ الْحَاكِمَ قَدِ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِمَا أَحَادِيثَ كَثِيرَةً, وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهَا مَقَالٌ, إِلَّا أَنَّهُ يَصْفُو لَهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ.
(قُلْتُ) : فِي هَذَا نَظَرٌ, فَإِنَّهُ يُلْزِمُهُمَا بِإِخْرَاجِ أَحَادِيثَ لَا تَلْزَمُهُمَا, لِضَعْفِ رُوَاتِهِمَا عِنْدَهُمَا, أَوْ لِتَعْلِيلِهِمَا ذَلِكَ [2] . واللهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ خُرِّجَتْ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ, يُؤْخَذُ مِنْهَا زِيَادَاتٌ مُفِيدَةٌ, وَأَسَانِيدُ جَيِّدَةٌ, كَصَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ, وَأَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ [3] ، وَالْبُرْقَانِيِّ, وَأَبِي نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَغَيْرِهِمْ وَكُتُبٌ أُخَرُ الْتَزَمَ أَصْحَابُهَا صِحَّتَهَا, كَابْنِ خُزَيْمَةَ, وَابْنِ حِبَّانَ البُسْتِيِّ, وَهُمَا خَيْرٌ مِنَ الْمُسْتَدْرَكِ بِكَثِيرٍ, وَأَنْظَفُ أَسَانِيدَ وَمُتُونًا.
وَكَذَلِكَ يُوجَدُ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنَ الْأَسَانِيدِ وَالْمُتُونِ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِمَّا يُوَازِي كَثِيرًا مِنْ أَحَادِيثِ مُسْلِمٍ, بَلْ وَالْبُخَارِيِّ أَيْضًا, وَلَيْسَتْ عِنْدَهُمَا, وَلَا عِنْدَ أَحَدِهِمَا, بَلْ وَلَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ الْأَرْبَعَةِ, وَهُمْ: أَبُو دَاوُدَ, وَالتِّرْمِذِيُّ, وَالنَّسَائِيُّ, وَابْنُ مَاجَهْ [4] .
(1) هو شيخ الحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك، وللحاكم شيخ آخر في طبقة هذا يسمى أيضًا محمد بن يعقوب بن يوسف، ويكنى بأبي العباس الأصم، وكلاهما من شيوخ نيسابور.
(2) قال الحافظ ابن حجر: ووراء ذلك كله: أن يروى إسناد ملفق من رجالهما، كسماك عن عكرمة عن ابن عباس، فسماك على شرط مسلم، وعكرمة انفرد به البخاري، والحق أن هذا ليس على شرط واحد منهما. وأدق من هذا: أن يرويا عن أناس مخصوصين من غير حديث الذين ضعفوا فيهم، فيجيء عنهم حديث من طريق من ضعفوا فيه، برجال كلهم في الكتابين أو أحدهما، فنسبته أنه على شرط من خرج له غلط، كأن يقال: هشيم عن الزهري، كل من هشيم والزهري أخرجا له، فهو على شرطهما، فيقال: بل ليس على شرط واحد منهما: لأنهما إنما أخرجا عن هشيم من غير حديث الزهري، فإنه ضعيف فيه، لأنه كان دخل إليه فأخذ عنه عشرين حديثا، فلقيه صاحب له وهو راجع، فسأله رؤيتها، وكان ثم ريح شديدة، فذهبت بالأوراق من يد الرجل، فصار هشيم يحدث بما علق منها بذهنه، ولم يكن أتقن حفظها، فوهم في أشياء منها، ضعف في الزهري بسببها، وكذا همام، ضعيف في ابن جريج، مع أن كلا منهما أخرجا له. لكن لم يخرجا له عن ابن جريج شيئًا، فعلى من يعزونا إلى شرطهما أو شرط واحد منهما أن يسوق ذلك السند بنسق رواية من نسب إلى شرطه، ولو في موضوع من كتابه، وكذا قال ابن صلاح في شرح مسلم: من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه بأنه من شرط الصحيح فقد غفل وأخطأ. بل ذلك متوقف على النظر في كيفية رواية مسلم عنه، وعلى أي وجه اعتمد اهـ تدريب (ص 40) .
(3) وموضوع المستخرج - كما قال العراقي: أن يأتي المصنف إلى الكتاب فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه، من غير طريق صاحب الكتاب، فيجمع معه في شيخه أو من فوقه. قال شيخ الإسلام -يعني الحافظ ابن حجر-: وشرطه: أن لا يصل إلى شيخ أبعد، حتى يفقد سندا يوصله إلى الأقرب، إلا لعذر، من علو أو زيادة مهمة- إلى أن قال: وربما أسقط المستخرج أحاديث لم يجد له بها سندًا يرتضيه، وربما ذكرها من طريق صاحب الكتاب اهـ تدريب (ص 23) .
(4) هذا الكلام جيد محقق. فإن المسند للإمام أحمد بن حنبل، هو عندنا أعظم دواوين السنة. وفيه أحاديث صحاح كثيرة لم تخرج في الكتب الستة، كما قال الحافظ ابن كثير.
وهو مطبوع بمصر في ستة مجلدات كبار، تم طبعه سنة 1313.
وقد شرعت في طبعه طبعة علمية محققة، مبينا درجة كل حديث من الصحة وغيرها، مع التخريج بقدر الاستطاعة، ثم ألحق به في آخره -إن شاء الله- فهارس علمية منظمة، كما بينت ذلك في مقدمته.
وأخرجت من هذه الطبعة 9 مجلدات إلى الآن. وسيكون الكتاب في أكثر من 30 مجلدًا. إن شاء الله.
وجعلت في آخر كل جزء فهرسا مؤقتا فيه نوع من التفصيل.
وقد أثبت في ختام الأجزاء إحصاء لأحاديث كل جزء. فيه بيان عدد الصحيح بما يدخل فيه الحسن أيضًا، وعدد الضعيف. والحسن قليل نادر.
وهذه الأجزاء التسعة استوعبت المجلد الأول وأقل من ثلث المجلد الثاني من الطبعة القديمة. وكان مجموع ما فيها من الأحاديث بالإحصاء الدقيق 6511 حديثا، الصحيح منها 5733 حديثا، والضعيف 778 حديثا. أي نسبة الضعيف فيها إلى مجموع الأحاديث أقل من 12 بالمئة وهي نسبة ضئيلة محتملة. خصوصا إذا لاحظنا أن أكثر ضعف الضعيف منها ضعف محتمل غير بالغ الدرجة القصوى من الضعف، إلا في القليل النادر الذي لا يكاد يذكر.
فهذا البرهان العملي على الطريقة العلمية الصحيحة، مصداق لما قال الحافظ ابن كثير، وقد كان أعلم الناس بالمسند، وأجودهم له إتقانا، رحمه الله.