فهرس الكتاب
وَقَدْ تَكَلَّمَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو ابْنُ الصَّلَاحِ عَلَى الْحَاكِمِ فِي مُسْتَدْرَكِهِ فَقَالَ: وَهُوَ وَاسِعُ الْخَطْوِ فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ, مُتَسَاهِلٌ بِالْقَضَاءِ بِهِ, فَالْأَوْلَى أَنْ يَتَوَسَّطَ فِي أَمْرِهِ, فَمَا لَمْ نَجِدْ فِيهِ تَصْحِيحًا لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا, فَهُوَ حَسَنٌ يُحْتَجُّ بِهِ, إِلَّا أَنْ تَظْهَرَ فِيهِ عِلَّةٌ تُوجِبُ ضَعْفَهُ [1] .
(قُلْتُ) : فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْحَدِيثِ كَثِيرَةٌ, فِيهِ الصَّحِيحُ الْمُسْتَدْرَكُ, وَهُوَ قَلِيلٌ, وَفِيهِ صَحِيحٌ قَدْ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَوْ أَحَدُهُمَا, لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْحَاكِمُ، وَفِيهِ الْحَسَنُ وَالضَّعِيفُ وَالْمَوْضُوعُ أَيْضًا، وَقَدِ اخْتَصَرَهُ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ, وَبَيَّنَ هَذَا كُلَّهُ, وَجَمَعَ فِيهِ جُزْءًا كَبِيرًا مِمَّا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ, وَذَلِكَ يُقَارِبُ مِائَةَ حَدِيثٍ واللهُ أَعْلَمُ [2] .
مُوَطَّأُ مَالِكٍ
(تَنْبِيهٌ) : قَوْلُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-:"لَا أَعْلَمُ كِتَابًا فِي الْعِلْمِ أَكْثَرَ صَوَابًا مِنْ كِتَابِ مَالِكٍ", إِنَّمَا قَالَهُ قَبْلَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ. وَقَدْ كَانَتْ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ مُصَنَّفَةٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي السُّنَنِ, لِابْنِ جُرَيْحٍ, وَابْنِ إِسْحَاقَ -غَيْرُ السِّيرَةِ- وَلِأَبِي قُرَّةَ مُوسَى بْنِ طَارِقٍ الزَّبِيدِيِّ, وَمُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّازِقِ بْنِ هَمَّامٍ, وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَكَانَ كِتَابُ مَالِكٍ, وَهُوَ (الْمُوَطَّأُ) أَجَلَّهَا وَأَعْظَمَهَا نَفْعًا, وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَكْبَرَ حَجْمًا مِنْهُ وَأَكْثَرَ أَحَادِيثَ [3] ، وَقَدْ طَلَبَ الْمَنْصُورُ مِنَ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ عَلَى كِتَابِهِ, فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ. وَذَلِكَ مِنْ تَمَامِ عِلْمِهِ وَاتِّصَافِهِ بِالْإِنْصَافِ, وَقَالَ:"إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا وَاطَّلَعُوا عَلَى أَشْيَاءَ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهَا".
(1) ونقل الحافظ العراقي عن بدر الدين بن جماعة قال: يتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله، من الحسن أو الصحة أو الضعف. وهذا هو الصواب.
(2) اختلفوا في تصحيح الحاكم الأحاديث في المستدرك: فبالغ بعضهم، فزعم أنه لم ير فيه حديثا على شرط الشيخين: وهذا -كما قال الذهبي- إسراف وغلو. وبعضهم اعتمد تصحيحه مطلقا، وهو تساهل. والحق ما قاله الحافظ ابن حجر: إنما وقع للحاكم التساهل؛ لأنه سود الكتاب لينقحه، فأعجلته المنية، وقد وجدت قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من المستدرك: إلى هنا انتهى إملاء الحاكم. قال: (وما علل ذلك من الكتاب لا يؤخذ منه إلا بطريق الإجازة. والتساهل في القدر المملى قليل جدًّا بالنسبة إلى ما بعده) .
وقد اختصر الحافظ الذهبي مستدرك الحاكم، وتعقبه في حكمه على الأحاديث فوافقه وخالفه وله أيضًا أغلاط، (وقد طبع الكتابان في حيدر آباد) . والمتتبع لهما بإنصاف وروية يجد أن ما قاله ابن حجر صحيح، وأن الحاكم لم ينقح كتابه قبل إخراجه.
(3) قال السيوطي في شرح الموطأ (ص 8) : (الصواب إطلاق أن الموطأ صحيح. لا يستثنى منه شيء) وهذا غير صواب، والحق أن ما في (الموطأ) من الأحاديث الموصولة المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحاح كلها، بل هي في الصحة كأحاديث الصحيحين، وأن ما فيه من المراسيل والبلاغات وغيرها يعتبر فيها ما يعتبر في أمثالها، مما تحويه الكتب الأخرى. وإنما لم يعد في الكتب الصحاح لكثرتها وكثرة الآراء الفقهية لمالك وغيره. ثم إن (الموطأ) رواه عن مالك كثير من الأئمة. وأكبر رواياته -فيما قالوه- ورواية القعنبي والذي في أيدينا منه رواية يحيى الليثي. وهي المشهورة الآن، ورواية محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وهي مطبوعة في الهند.