فهرس الكتاب
معه . واعلم أن منكر هذه الأمور من الطاعة: إما مجتهد أخطأ فله أجر ، أو عديم فهم مقلد لمشائخه كلما قادوه إلى شئ انقاد ، أو مطبوع على قلبه غافل عن ذكر ربه ، إذا ذكر الله اشمأز فؤاده يتستر بإيهام حسن القصد . وهذا يعرف بأنه لا ينكر البدع التي ينبغي إنكارها ، فتراه يحمل على رأسه عمامة كالبرج ، ويجعل أكمامه كالخرج ( 1 ) ، ويزعم أن هذه من مراعاة أبهة العلم ، والتميز عن الجاهلين ، وربما حضر الموقف يغتاب فيه المسلم ، وتنتهك فيه حرمته ، ويخوض في اللغو مع الخائضين . والله تعالى يقول في صفة المؤمنين ( والذين هم عن اللغو معرضون ) ( 2 ) ، ( وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه ) ( 3 ) . ‹ صفحه 52 › وربما اشتغل في الموقف وشغل من لديه بالخوض في بيت من الشعر أو نحوه ، مع انشراح خاطر ، وتنميق الكلمات ، وتزويق ( 1 ) للعبارات ، وتفتيش عن المضحكات . فإذا قيل له: تعال بنا إلى جنات ذكر الأحبة تجتني روحا ونشرا ، ونقطف من رياض الحب نيل المطالب والمنى ثمرا وزهرا - نفر نفور الشموس ( 2 ) ، واستشاط ( 3 ) غيظا . ( فما لهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة ) ( 4 ) ، وهذا من شياطين الأنس بلا ريب ، ‹ صفحه 53 › ومخالطتك له كمخالطة الشاة للذئب . ففر منه فرارك من الأسد ، فما خالطه صالح إلا فسد ، وطريقته في الوسوسة طريقة إخوانه من شياطين الجن ، فإن الشيطان لا يأمر إلا بالشر ، لكنه يجعله في صورة الخير ، كما قال إبليس: ( هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) ( 1 ) ، ( وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) ( 2 ) . ولهذا يقول الله سبحانه: ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ) ( 2 ) فشياطين الإنس يجادلون بوحي شياطين الجن . قال تعالى: ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) ( 4 ) ، فإياك أن يغرك ‹ صفحه 54 › زخرف أقوالهم ، ( فالعلماء ورثة الأنبياء ) ( 1 )