فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 76

وهو نوع استعملته العرب في معنى وضع له في غير لغتهم، ولا خلاف في وقوع الأعلام الأعجمية في القرآن، واختلفوا هل وقع فيه غيرها؟ فالأكثر ومنهم الشافعي وابن جرير أنكروا ذلك لقوله تعالى: {قرآنًا عربيًا} وقوله: {لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي} وأجابوا عن ما يوهم ذلك بأنه مما اتفقت فيه لغة العرب ولغة غيرهم كالصابون، وذهب جماعة إلى الوقوع.

وأجابوا عن الآية الأولى بأن ذلك لا يخرجه عن كونه عربيًا لأن القصيدة لا يخرجها عن كونها عربية كلمة فيها فارسية.

وعن الثانية: بأن المعنى: أكلام أعجمي ومخاطب عربي؟

[التحبير في علم التفسير: 200]

وقد ورد عن جماعة من الصحابة والتابعين تفسير ألفاظ فيه أطلقوا أنها بلسان غير العرب، فعن ابن عباس في قوله تعالى:"طه"هو كقوله: {يا محمد} بلسان الحبشة رواه الحاكم، وعنه في قوله تعالى: {إن ناشئة الليل} قال: بلسان الحبشة: إذا شاء قام، رواه الحاكم والبيهقي وهو في البخاري تعليقًا.

وعن البراء بن عازب في قوله تعالى: {سريًا} قال: (نهر صغير بالسريانية علّقه البخاري) .

وعن أبي موسى الأشعري في قوله تعالى: {يؤتكم كفلين} قال: ضعفين بالحبشية، أخرجه وكيع، وقال أبو ميسرة: الأوّاه: الرحيم بالحبشية، وقال سعيد بن عياض اليماني: (المشكاة) الكوة بالحبشية، وقال مجاهد: القسطاس: العدل بالرومية، رواها كلها البخاري تعليقًا، وقد جمع الشيخ تاج الدين السبكي في ذلك سبعًا وعشرين لفظة في

[التحبير في علم التفسير: 201]

أبيات فاستدرك عليه شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر أربعًا وعشرين ذيّلها على أبياته ووطأتها قبل ببيت من المُعَرب:

السلسبيل وطه كورت بيع ... روم وطوبى وسجيل وكافور

والزنجيل ومشكاة سرادق مع استبرق صلوات سندس طور

كذا قراطيس ربانيهم وغساق ثم دينار القسطاس مشهور

كذاك قسورة واليم ناشئة ويؤت كفلين مذكور ومسطور

له مقاليد فردوس يعد كذا فيما حكى ابن دريد منه تنور

وزدت حرم ومهل والسجل كذا السرى والأب ثم الجبت مذكور

وقطنا وإناه ثم متكئًا دارست يصهر منه فهو مصهور

وهيت والسكر الأواه مع حصب وأوبي معه والطاغوت مسطور

صرهن إصري وغيض الماء مع وزر ثم الرقيم مناص والسنا النور

[التحبير في علم التفسير: 202]

النوع الحادي والأربعون: المجاز

وهو فن عظيم متسع بالغت فيه العرب لاستعمالهم له كثيرًا، ونفى الظاهرية وقوعه في القرآن، قالوا لأنه كذب، فإن قولك للبليد: هذا حمار كذب والقرآن منزه عنه، قلت: الذي قال هذا حمار، فقد اتفق أهل البلاغة على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، وقد صنف العلماء في

[التحبير في علم التفسير: 203]

مجاز القرآن كتبًا منهم: الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وله أنواع كثيرة ذكر منها البلقيني نزرًا يسيرًا واقتصر على ما أورده أبو عبيد في أول غريبه وقد سردنا هنا من أنواعه ما لم يجتمع في كتاب:

الأول: الحذف والاختصار كقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة .. } أي: فأفطر فعدة، {أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون * يوسف أيها الصديق .. } أي فأرسلوه فجاء فقال: يا يوسف، وكثر في القرآن حذف المبتدأ والخبر والمفعول والجواب نحو: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم} أي: لعذبكم - {ولو ترى إذ وقفوا على النار} أي لرأيت أمرًا عظيمًا - {ق * والقرآن المجيد} أي لتبعثن أو نحو ذلك، وربما يطلق على هذا النوع الإضمار، وبعضهم يجعله قسيمًا للمجاز لا قسمًا منه، وقال العراقي: وهو أربعة: قسم يتوقف عليه صحة اللفظ ومعناه من حيث

[التحبير في علم التفسير: 204]

الإسناد نحو: {واسأل القرية} أي أهلها، إذ لا يصح إسناد السؤال إليها، وقسم يصح بدونه لكن يتوقف عليه شرعًا كآية المريض السابقة وقسم يتوقف عليه عادة لا شرعًا نحو: {اضرب بعصاك البحر فانفلق .. } أي فضربه، وقسم يدل عليه دليل غير شرعي ولا هو عادة نحو: {فقبضت قبضة من أثر الرسول} دل الدليل على أنه إنما قبض من أثر حافر فرس الرسول، وليس في هذه الأقسام مجاز إلا الأول.

الثاني: الزيادة نحو: {ليس كمثله شيء} فالكاف زائدة، إذ القصد نفي المثل لا نفي مثل المثل - {لا أقسم} أي: أقسم، فلا زائدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت