فهرس الكتاب
{أومن كن ميتًا فأحييناه .. } أي: ضالًا فهديناه.
ومنها: تهكمية وتمليحية - وهما ما استعملا في ضده أو نقيضه نحو: {فبشرهم بعذاب أليم} استعير لفظ البشارة للعذاب، وهي موضوعة للسرور تهكمًا بهم.
ومنها: مجردة وهي: ما قرن بملائم المستعار له نحو: {فأذاقها الله لباس الجوع .. } لم يقل: (فكساها) لأن الإدراك بالذوق يستلزم الإدراك باللمس ولا عكس.
ومنها: مرشحة وهي: ما قرن بما يلائم المستعار منه نحو: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم .. } استعار الاشتراء للاستبدال والاختيار ثم قرنها بما يلائم الاشتراء من الربح والتجارة.
ومنها: استعارة بالكناية وهي: أن تضمر التشبيه في النفس فلا
[التحبير في علم التفسير: 227]
تصرح بشيء من أركانه سوى المشبه، ويدل عليه بأن يثبت للمشبه أمر مختص بالمشبه به، فنفس التشبيه هو الكناية، وإثبات ذلك الأمر للمشبه استعارة تخيلية نحو: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} شبه ما يدرك من أثر الضر والألم بما يدرك من طعم المر البشع فأوقع عليه الإذاقة، فتكون الإذاقة بمنزلة الأظفار للمنية في قوله:
وإذا المنية أنشبت أظفارها
وكذا قوله تعالى: {جدارًا يريد أن ينقض .. } شبه ميلانه للسقوط بانحراف الحي فأثبت له الإرادة التي هي من خواص العقلاء، وقوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم .. } بأن لا تقبل الحق بالشيء الموثوق المختوم ثم أثبت لها الختم.
ومنها: تبعية وهي: أن يكون المستعار فعلًا أو صفة أو حرفًا كما
[التحبير في علم التفسير: 228]
تقدم في آية: {فبشرهم .. } وآية: {إنك لأنت الحليم الرشيد} ومنه قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا} استعيرت لام (كي) التي هي للعلة للغاية.
ومنها: تمثيلية: وهي ما استعمل فيما شُبّه بمعناه الأصلي تشبيه مبالغة نحو: {واعتصموا بحبل الله جميعًا .. } شُبه استظهار العبد بالله ووثوقه به والتجاؤه إليه باستمساك الواقع في مهواة مهلكة بحبل وثيق مدلى من مكان مرتفع يأمن انقطاعه، ولها أنواع أخر مبينة في علم البيان والله أعلم.
[التحبير في علم التفسير: 229]
النوع الخمسون: التشبيه
وهو أيضًا نوع من المجاز، ويفارق الاستعارة باقترانه بالأداة وهي الكاف ومثل وكأن ونحوها، وإن تجرد منها لفظًا فإن قدَّرْتها فهو تشبيه وإلا فاستعارة كقوله تعالى: {صم بكم عمي .. } والتقدير أعم من كونه جزء كلام كهذه الآية، وكون الكلام فيه ما يقتضي تقديره كقوله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} فالخيط الأسود تشبيه لأن بيان الخيط الأبيض بالفجر قرينة على أن الأسود أيضًا مبين بسواد آخر الليل، ومن أمثلته قوله تعالى: مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل
[التحبير في علم التفسير: 230]
أسفارًا .. {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب .. } وأبلغه المقلوب كما تقدم في نوع المجاز.
[التحبير في علم التفسير: 231]
النوع الحادي والخمسون والثاني والخمسون: الكناية والتعريض
هذان النوعان من زيادتي وهما مهمان، وقد ألف الشيخ تقي الدين السبكي فيهما كتابًا، واختلف الناس في الفرق بينهما وبين الحقيقة والمجاز بما هو مبسوط في كتب البيان، والذي تحرر منه أن الكناية لفظ استعمل في معناه مرادًا به لازم المعنى، فهي بحسب استعمال اللفظ في المعنى حقيقة، والتجوز في إرادة إفادة ما لم يوضع له، وقد لا يراد منها المعنى بل يعبر بالملزوم عن اللازم وهي حينئذ مجاز كقولك: زيد طويل النجاد أي طويل حمائل السيف مريدًا به طول القامة الذي هو لازم لطوله حقيقة ومنه في القرآن: {قل نار جهنم أشد حرًا .. } فإنه
[التحبير في علم التفسير: 232]
لم يقصد إفادة ذلك لأنه معلوم بل إفادة لازمه، وهو أنهم يرِدُونها ويجدون حرّها إن لم يجاهدوا.
وأما التعريض: فهو لفظ استعمل في معناه للتلويح بغيره نحو: {بل فعله كبيرهم هذا} نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتخذة آلهة كأنه غضب أن تعبد الصغار معه تلويحًا لعابديها بأنها لا تصلح أن تكون آلهة لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم من عَجز كبيرها عن ذلك الفعل والإله لا يكون عاجزًا، فهو حقيقة أبدًا.
ومنه قوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} الخطاب له صلى الله عليه وسلم وهو تعريض بالكفار.
{ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} أي: ومالكم لا تعبدون، وقريب مما تقدم في حدهما قول الزمخشري: الكناية ذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، والتعريض: أن يذكر شيئًا يدل على شيء لم يذكره.