فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 76

النوع السابع والثمانون: الأمثال

هذا النوع من زيادتي، وللناس في أمثال القرآن تصانيف منهم الإمام أبو الحسن الماوردي.

روى البيهقي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه وسلم: (( إن القرآن نزل على خمسة أوجه: حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال ـ فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال ) ).

ولقد قال تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ... } ومن أمثال القرآن ما صُرح فيه بذكر المثل وهو الأغلب.

[التحبير في علم التفسير: 314]

ومنها ما لم يُصرح فيه بذكر المثل ولكنها كامنة فيه، كما حكى الماوردي أن بعضهم سُئل فقيل له: إنك تُخرج أمثال العرب والعجم من القرآن فهل تجد في كتاب الله:"خير الأمور أوسطها"؟ فقال: نعم في أربعة مواضع، في قوله: {لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك} وقوله: {والذين إذا أنفقوا لم يُسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا} ، وقوله: {ولا تجهر بصلاتك ولا تُخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلًا} ، وقوله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ... } . فقيل له: هل تجد فيه: من جهل شيئا عاداه؟ قال: في قوله: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وقوله: وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} فقيل له هل تجد فيه: احذر شر من أحسنت إليه؟ قال: نعم في قوله: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} .

فقيل له: فهل تجد فيه:"لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"؟ قال: نعم في قوله تعالى: {هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل .. } ، فقيل له: هل تجد فيه:(من أعان ظالمًا سُلط

[التحبير في علم التفسير: 315]

عليه) قال: نعم في قوله تعالى: {كتب عليه أنه من تولاه فإنه يُضله} .

وسئل بعضهم: أين تجد في القرآن: الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فقال: في قوله تعالى: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناؤنا الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم ... } انتهى.

[التحبير في علم التفسير: 316]

النوع الثامن والثمانون والتاسع والثمانون: آداب القارئ والمقرئ

هذان النوعان من زيادتي، وشبههما من علم الحديث: آداب المحدث وآداب طالب الحديث، وللناس في ذلك تصانيف أشهرها: التبيان للنووي، ومختصره له، وأنا أُشير هنا إلى مقاصده حاذفًا معظم الأدلة اختصارًا.

فعلى كل من القارئ والمقرئ: إخلاص النية، وقصد وجه الله، وأن لا يقصد بتعلمه أو بتعليمه غرضًا من الدنيا كرئاسة أو مال. ولا يشين المقرئ إقراؤه بطمع في رفق يحصل له من بعض من يقرأ عليه، ولا التكثر بكثرة المشتغلين عليه والمترددين إليه، ولا يكره قراءة أصحابه على غيره ـ والتخلق بآداب القرآن ويقف عند حدوده وأوامره ونواهيه، ويعمل بمكارم الأخلاق المرضية من الزهد في الدنيا وعدم الالتفات إليها وإلى أهلها، والجود وطلاقة الوجه والمسكنة والوقار

[التحبير في علم التفسير: 317]

والخضوع واجتناب الضحك وكثرة المزح، والتنظف بإزالة الأوساخ والشعر والظفر والريح الكريه وتسريح اللحية ودهنها، والمحافظة على الطهارة واتباع الأحاديث الواردة بالأذكار وفضائل الأعمال والتبري من أمراض القلوب كالحسد والرياء والعجب والكبر، وإن كان غيره دونه ـ وأن لا يرى نفسه خيرًا من أحد، ويرفق بطلبته، ويرحب بهم ويُحسن إليهم بحسب حاله وحالهم، وينصحهم ما استطاع، ويتواضع لهم ويحرضهم على التعلم ويؤلفهم عليه، ويعتني بمصالحهم ويصبر على بطئ الفهم ويعذر من قل أدبه في بعض الأحيان ويُعرفه ذلك بلطف، لئلا يعود إلى مثله، ويعودهم بالتدريج بالآداب السنية، ويأخذهم بإعادة محفوظاتهم ـ ويُثني على من ظهرت نجابته ما لم يخش عليه الإعجاب ـ ويعنف من قصر تعنيفًا لطيفًا ما لم يخش تنفيره، ويُقدم في تعليمهم السابق فالسابق، ولا يمكنه من إيثاره بنوبته إلا لمصلحة شرعية، فإن الإيثار في القرب مكروه ـ ويفتقد أحوالهم، ويسأل عن غائبهم، ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية، ويصون يديه حال الإقراء عن العبث وعينيه وأُذنيه عن النظر والسمع لغير القارئ، ويقعد متطهرًا مستقبل القبلة في ثياب بيض نظيفة، وإذا وصل لموضع جلوسه صلى ركعتين، فإن كان مسجدا تأكد، وليكن مجلسه حسنًا واسعًا، ولا يُذل العلم فيذهب إلى موضع يُنسب إلى من يتعلم منه فيُعلمه فيه ولو كان خليفة فمن دونه.

[التحبير في علم التفسير: 318]

وعلى المتعلم أن يتجنب الأسباب الشاغلة عن العلم إلا ما لا بد منه ويُطهر قلبه ويتواضع لمعلمه وإن كان أصغر سنًا منه أو أقل شهرة، وينقاد له ويقبل قوله كالمريض مع الطبيب الناصح الحاذق.

ولا يتعلم إلا ممن تأهل وظهر دينه وصيانته ـ فالعلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ـ وينظر إلى معلمه بعين الاحترام والتعظيم ـ ولا يدخل عليه بلا إذن إلا إن كان بموضع لا يحتاج إلى استئذان، ويسلم على الحاضرين، ويخصه بزيادة تودد، ويسلم عند انصرافه أيضًا، ولا يتخطى الناس، ويجلس حيث انتهى به المجلس إلا أن يأذن له الشيخ في التقدم، ولا يقيم أحدًا ويجلس موضعه، ولا يجلس وسط الحلقة، ولا بين صاحبين بغير إذنيهما، ولا يغمز بعينه عند الشيخ، ولا يقول له: قال فلان بخلاف قولك، ولا يغتاب عنده أحدًا، ولا يُلح عليه إذا كسل، ولا يشبع من طول صحبته، ويرد غيبة شيخه إذا قدر ـ ولا يُفارق ذلك المجلس، ويتأدب مع رفقائه ـ ولا يحسد أحدًا منهم، ولا يعجب بما حصله، ولا يرفع صوته بلا حاجة عند الشيخ، ولا يضحك، ولا يكثر الكلام، ولا يعبث بيده، ولا يلتفت بلا حاجة، بل يتوجه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت