فهرس الكتاب
إلى الشيخ، ولا يقرأ على الشيخ في حال ملله، ويحتمل جفوة الشيخ وسوء خلقه، وإذا جفاه ابتدأه هو بالاعتذار وإظهار الذنب له، وإذا صدر من الشيخ أفعال ظاهرها منكر أولها ولا ينكرها.
[التحبير في علم التفسير: 319]
ومما يشترك فيه القارئ والمُقرئ: الحذر من اتخاذ القرآن معيشة يكتسب بها، نعم يجوز عند الشافعي ومالك أخذ الأجرة على تعليمه، وملازمة التلاوة، والإكثار منها، ونسيانه كبيرة، وإذا أراد القراءة استاك وتوضأ، فإن قرأ محدثًا جاز بلا كراهة.
ويحرم مس المصحف والقراءة على الجنب والحائض، ويجوز لهما النظر في المصحف، وإمرار القرآن على قلبيهما، ويسن أن يقرأ في مكان نظيف، ولا يكره في الحمام عندنا، ولا في الطريق، ويستقبل القبلة، ويجلس بخشوع وسكينة وحضور قلب، ولا يكون قائمًا، ولا مضطجعًا، ويستعيذ، وأفضل ألفاظ الاستعاذة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ـ ولو تعوذ بغير ذلك أجزأه، ويتدبر القرآن.
وتقدمت كيفيات القراءة في كيفية التحمل، ويبكي عند القراءة، فإن لم يبك تباك ـ وإذا مر بآية رحمة سأل من فضل الله أو عذاب استعاذ أو تنزيه نزه أو تفكر تفكر، ويقرأ على ترتيب المصحف،
[التحبير في علم التفسير: 320]
ويجوز مخالفته إلا أن يقرأ السورة معكوسًا فلا، والقراءة في المصحف أفضل، لأن النظر فيه عبادة، والجهر، إلا إذا خاف الرياء، ويسن تحسين الصوت به ما لم يخرج إلى حد التمطيط والإفراط بزيادة حرف أو إخفائه أو مد ما لا يجوز مده فحرام، ويُراعي الوقف عند تمام الكلام ولا يتقيد بالأحزاب والأعشار، ويقطع القراءة إذا نعس أو مل أو عرض له ريح حتى يتم خروجها، أو تثاؤب حتى ينقضي، وإذا قرأ نحو: {وقالت اليهود يد الله مغلولة .. } ، {وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا} خفض بها صوته، ويتأكد الاعتناء بسجود التلاوة وهي أربع عشرة عندنا ومحالها معروفة، وإنما اختلف في التي في (حم) ، والأصح عندنا أنها عند قوله: {وهم لا يسأمون} والتي في النمل والأصح أنها عند {رب العرش العظيم} وتحرم القراءة بغير العربية مطلقًا للقادر
[التحبير في علم التفسير: 321]
وغيره، ولا يكره النفث معه للرقية ولا أن يقول: قراءة أبي عمرو وقراءة فلان، وكرههما بعض السلف، ويكره أن يقول: نسيت آية كذا بل أُنسيت ولبعض مسائل هذا الباب تتمات مبسوطة في كتب الفقه انتهى.
[التحبير في علم التفسير: 322]
النوع التسعون: آداب المفسر
هذا النوع من زيادتي ـ قال العلماء: من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولًا من القرآن ـ فإن ما أُجمل في مكان قد فسر في مكان آخر، فإن أعياه ذلك طلبه في السنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له.
وقد قال الإمام الشافعي: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن ـ قال تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله .. } في آيات آخر، وفي الحديث (( ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ) )يعني السنة ـ وفيه: كان ينزل جبريل بالسنة كما ينزل بالقرآن ـ وأما حديث عائشة الذي رواه البزار وابن جرير: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر شيئًا من القرآن إلا آيات بعدد علمه إياهن جبريل) فهو حديث منكر وإن أوله ابن جرير.
[التحبير في علم التفسير: 323]
فإن لم يجده في السنة راجع أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله ـ ولما اختصوا به من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح، فإن لم يجد عن أحد من الصحابة رجع إلى أقوال التابعين، وربما وقع في عباراتهم تباين في الألفاظ فحسبها بعض من لا فطنة له اختلافًا فيحكيها أقوالًا وليس كذلك، فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو بنظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن فليتفطن اللبيب لذلك.
وأما قول سعيد بن الحجاج: أقوال التابعين في الفروع غير حجة فكيف تكون حجة في التفسير؟ فمعناه أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم وهو صحيح. أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا لم يكن قول بعضهم حجة على بعضهم ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة.
[التحبير في علم التفسير: 324]
وعليه أن يستحضر الحديث الذي رواه ابن جرير عن ابن عباس مرفوعًا قال: التفسير أربعة أوجه وجه تعرفه العرب من كلامها -وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته- وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله ثم رواه مرفوعا بسند ضعيف بلفظ: أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته- وتفسير تفسره العرب ـ وتفسير تفسره العلماء ـ ومتشابه لا يعلمه إلا الله ـ ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب.
وعليه أن لا يكثر من الأقوال المحتملة البعيدة والتفاسير الغريبة، وألا يتكلف في حمل الآية على مذهبه إذا كان ظاهرها يخالفه، ففي الحديث (مراقي القرآن كفر) وأن يرجح من الأقوال ما وافق قراءة أخرى كقوله تعالى: {أو لامستم النساء .. } فتفسير الملامسة بالمس باليد أولى من الجماع لموافقته للقراءة الأخرى: (أو لمستم) ويحرم تحريمًا