فهرس الكتاب
[التحبير في علم التفسير: 325]
غليظًا أن يفسر القرآن بما لا يقتضيه جوهر اللفظ كما فعل (ابن عربي) المبتدع الذي ينسب إليه كتاب"الفصوص"الذي هو كفر كله.
وكما يحكى عن بعض الملحدة أنه قال في قوله تعالى: {من ذا الذي يشفع} إن معناه: من ذل ـ أي من الذل ـ"ذي"إشارة للنفس ـ"يشف"جواب"من"من الشفاء"عِ"فعل أمر من الوعي.
ويحرم أن يخرج القرآن على القواعد المنطقية، وقد اتفق أهل عصرنا ممن يبيح المنطق منهم ومن يحرمه على التغليظ على بعض العجم، وقد خرج بعض آيات القرآن عليه وأفتوا بتعزيره وزجره وأنه أتى بابًا من العظائم ـ وإذا أعرب آية أعربها على أظهر محتملاتها وأرجحها، ولا يذكر كل ما تحتمله وإن كان بعيدًا جائزًا إلا لقصد التمرين، ولا يذكر الأقاصيص التي لا يدري صحتها خصوصًا الإسرائيليات، وليقتصر منها على ما تدعو إليه الضرورة إذا كان في الآية إشارة إليه متحريًا أصح ما ورد وسيأتي حكم التفسير بالرأي.
[التحبير في علم التفسير: 326]
النوع الحادي والتسعون: من يقبل تفسيره ومن يرد
هذا النوع من زيادتي، ويشبهه من علم الحديث: معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل.
قد تقدم في آداب المفسر أن التفسير يطلب أولا من القرآن ثم السنة ثم أقوال الصحابة والتابعين، فناقل ذلك عنهم شرطه شروط الرواية وهي: العدالة والحفظ والإتقان وهو مقرر في علم الحديث، وكذا رجال القرآن لما تقدم من أحد أركانه صحة السند.
وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة أن التفسير بالرأي حرام، وتقدم في المقدمة الفرق بينه وبين التأويل.
فأما الأول فحرام مطلقًا لما فيه من الشهادة على الله والقطع بأنه مراده.
وأما الثاني: وهو التأويل فقد اختلف في جوازه فمنعه قوم سدًا
[التحبير في علم التفسير: 327]
للباب وتمسكًا بظاهر الحديث، وجوزه آخرون لمن كان عالمًا بعلوم:
أحدها: اللغة لأن بها يعرف شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها.
الثاني: النحو ـ لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب فلا بد من اعتباره.
الثالث: التصريف ـ ولم يذكره بعضهم وهو الأصوب، ووجه من ذكره أن به تُعرف الأبنية والصيغ.
الرابع: الاشتقاق ـ لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف المعنى باختلافهما ـ كالمسيح هل هو من السياحة أو المسح.
الخامس: المعاني لأن به تعرف خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها.
السادس: البيان لأن به يُعرف خواص التراكيب من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها.
السابع: البديع لأن به يُعرف وجوه تحسين الكلام.
الثامن: علم القراءات ـ لأن به تعرف كيفية النطق بالقرآن، وبالقراءات تُرجح بعض الوجوه المحتملة على بعض.
[التحبير في علم التفسير: 328]
التاسع: علم أصول الدين لما في القرآن من الآيات الدالة بظاهرها على ما لا يجوز على الله ـ فالأصولي يؤول ذلك ويستدل على ما يستحيل وما يجب وما يجوز.
العاشر: أصول الفقه ـ لأن به يُعرف وجه الاستدلال على الأحكام والاستنباط.
الحادي عشر: أسباب النزول والقصص ـ إذ بسبب النزول يُعرف معنى الآية المنزلة فيه بحسب ما أُنزلت فيه.
الثاني عشر: الناسخ والمنسوخ ليُعلم المحكم من غيره.
الثالث عشر: علم الفقه.
الرابع عشر: الأحاديث المبينة لتفسير المجمل والمبهم.
الخامس عشر: علم الموهبة ـ وهو علم يورثه الله لمن عمل بما علم، وإليه الإشارة بحديث: (( من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم ) ).
قال ابن أبي الدنيا: وعلوم القرآن وما يستنبط منه بحر لا ساحل له.
قال: فهذه العلوم التي هي كالآية للمفسر لا يكون مفسرًا إلا
[التحبير في علم التفسير: 329]
بتحصيلها فمن فسر بدونها كان مفسرًا بالرأي المنهي عنه، وإذا فسر مع حصولها لم يكن مفسرًا بالرأي المنهي عنه.
قال: والصحابة والتابعون كان عندهم علوم العربية بالطبع لا بالاكتساب، واستفادوا العلوم الأخرى من القرآن والسنن التي تلقوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.