فهرس الكتاب
قلت: ولهذا كان علم التفسير الموضوع فيه هذا الكتاب مستمدًا من هذه العلوم، وأنواعه مأخوذة منه. ومن أتقن الأنواع المذكورة في هذا الكتاب حصل له من ذلك ما يرومه ولم يحتج معه إلى غيره.
ولعلك تستشكل علم الموهبة وتقول: هذا هو شيء ليس في قدرة الإنسان تحصيله وليس كما ظننت من الإشكال ـ وقد خطر لي تشبيهه بقولهم في حد المجتهد: هو فقيه النفس ـ أي: شديد الفهم بالطبع لمقاصد الكلام بحيث يقدر على الاستنباط.
وممن لا يقبل تفسيره: المبتدع خصوصًا الزمخشري في كشافه فقد أكثر فيه من إخراج الآيات عن وجهها إلى معتقده الفاسد بحيث يسرق الإنسان من حيث لا يشعر وأساء فيه الأدب على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم في مواضع عديدة فضلًا عن الصحابة وأهل السنة.
وقد أحسن الذهبي إذ ذكره في الميزان، وقال: كن حذرًا من
[التحبير في علم التفسير: 330]
كشافه، وألف الشيخ: تقي الدين السبكي كتابًا سماه الانكفاف عن إقراء الكشاف ـ ذكر فيه أنه عقد التوبة من إقرائه وتاب إلى الله فلا يقرأه ولا ينظر فيه أبدًا لما حواه من الإساءة المذكورة.
قال: وقد استشارني بعض أهل المدينة النبوية أن يشتري منه نسخة ويحملها إلى المدينة فأشرت عليه بأن لا يفعل حياء من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينقل إلى بلد هو فيها كتاب فيه ما يتعلق بجنابه صلى الله عليه وسلم ـ على أنه آية في بيان أنواع البلاغة والإعجاز لولا ما شانه مما ذكرناه.
وفي تفسير البيضاوي بحمد لله غنية في هذا النوع.
ولا يُقبل ممن عرف بالجدال والمراء والتعصب لقول قاله وعدم الرجوع إلى الحق إذا ظهر له، ولا من يُقدم الرأي على السنة، ولا من عُرف بالمجازفة وعدم التثبت أو بالجرأة والإقدام على الله وقلة المبالاة،(ومن المطعون فيهم: جبير، والعوفي، والكلبي ومقاتل،
[التحبير في علم التفسير: 331]
والسدي الصغير وهو: محمد بن مروان بخلاف الكبير واسمه: إسماعيل بن عبد الرحمن.
ثم إن التفسير عن ترجمان القرآن ابن عباس ورد من طرق، فمن جيدها: طريق سعيد بن منصور عن نوح عن ابن قيس عن عثمان ابن محصن عنه، وطريق محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عنه هكذا بالترديد وربما يُجزم بأحدهما في بعض الروايات. وطريق مالك بن إسماعيل عن قيس عن عطاء بن السائب عن سعيد عنه ومن واهيها: طريق الكلبي عن أبي صالح، وطريق الضحاك عنه منقطعة لأنه لم يثبت سماعه منه بل قيل: وطريق علي بن أبي طلحة كذلك وأنه إنما سمع التفسير من مجاهد أو سعيد عنه)
[التحبير في علم التفسير: 332]
النوع الثاني والتسعون: غرائب التفسير
هذا النوع من زيادتي، وهو يشبه من علم الحديث: المنكر أو الغريب والمراد به: ما قيل في القرآن من الأقوال الغريبة التي لا يحل حمل القرآن عليها ولا ذكرها على سبيل التحذير منها.
وألف فيه بعض المتقدمين كتابًا في مجلدين وهو: محمود بن حمزة الكرماني في حدود الخمسمائة، فمنها قوله تعالى: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال قوم: يعني العشق وقوله تعالى: {ولها عرش عظيم} قال قوم: فرج عظيم. وقوله تعالى: {ومن شر غاسق إذا وقب} قال بعضهم: أي من شر الذكر إذا قام ـ وقوله تعالى: {حم عسق} قال بعضهم: هو رجل يُقال له: أبو عبد الله
[التحبير في علم التفسير: 333]
ينزل على نهر من أنهار المشرق يبتني عليه مدينتين ونحو ذلك.
وهذه أمثلة منها ليحذرها المفسر ولا يعول عليها وإن وقع الأول منها في تفسير الكواشي وغيره من المعتمدين.
ومن أعجبه ما اشتهر في قوله تعالى: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} فقد لهج العوام بأن معناه: متزوجون ـ وهذا قول لا يعرف أصلًا ولا يجوز الإقدام على تفسير كلام الله بمجرد ما يحدث في النفس أو يسمع ممن لا عهدة عليه. انتهى. والله أعلم.
[التحبير في علم التفسير: 334]
النوع الثالث والتسعون: معرفة المفسرين
هذا النوع من زيادتي وهو مهم، وقد ألف الناس فيهم طبقات، فممن اشتهر بمعرفة التفسير من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ: الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، فقد روى ابن جرير عنه أنه قال: والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت ـ ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته.
ومنهم: عبد الله بن عباس البحر ترجمان القرآن، فقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ) )، وقال ابن مسعود: