فلا تكُنْ عَجِلًا بالأمر تَطْلبُه ... فليس يُحمَدُ قبلَ النُّضْج بُحْرانُ [1] ...
كفى من العيش ما قد سَدَّ مِن عَوَزٍ ... ففيه للحُرِّ إن حقَّقْتَ غُنْيانُ [2] ...
وذو القناعةِ راضٍ من معيشتِهِ ... وصاحبُ الحِرصِ إن أثْرى فغضبانُ! [3] ...
حَسْبُ الفتى عَقْلُه خِلاًّ يُعاشِرُه ... إذا تحاماه إخوانٌ وخُلاَّنُ [4] ...
هما رَضيعا لِبانٍ: حِكمةٌ وتُقًى ... وساكِنًا وطنٍ: مالٌ وطغيانُ [5] ...
إذا نَبا بكريم مَوْطِنٌ فله ... وراءَهُ في بسيطِ الأرضِ أوطانُ [6] ...
(1) النضج: الاكتمال. والبحران بضم الباء وسكون الحاء، لفظ مولد، يوناني الأصل، وهو عند الأطباء: التغير الذي يحدث للعليل دفعة واحدة في الأمراض الحادة: إلى الصحة أو إلى المرض، فإن وقع بعد نضج مادة المرض فهو علامة الصحة والشفاء، وإن وقع قبل نضجها فهو علامة الموت والهلاك. فعلى العاقل أن لا يعجل في أمره كما قيل:
تأن في الشيء إذا رمته لتعرف الرشد من الغيِّ
ولا تتبعن كل دخان ترى فالنار قد توقد للكيِّ
وقس على الشيء بأشكاله يدلك الشيء على الشيِّ
(2) العيش هنا: ما يتبلغ به من رزق. والعوز: الحاجة والفقر. والحر هنا المراد به: العاقل القانع العزيز. والغُنْيان بضم الغين وسكون النون: الاستغناء
(3) أثرى: زاد ماله وكثر. وقوله: صاحب الحرص إن أثرى فغضبان. وذلك لطمعه المتزايد، فيرى نفسه دائمًا في حاجة إلى المزيد من الثراء، ويغضب إذا لم ينله ذلك
(4) خلاًّ: صديقًا ناصحًا. والخلان: الأصدقاء. أي يكفي الفتى الراشد أن يتخذ من عقله مرشدًا يلجأ إليه إذا تباعد عنه الإخوان والأصدقاء.
(5) رضيعا لبان يرضعان من ثدي واحد، فهما أخوان. وساكنا وطن أي متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر غالبًا. والمعنى: أن الحكمة والتقى أخوان لا ينفكان، والمال والطغيان متلازمان لا يفترقان.
(6) نبا بالمرء الموطن: ضاق عليه ولم يوفقه ولم يسر به