جَزَى بَنُوهُ أبا الغَيْلانِ عَنْ كِبَرٍ * وحُسْنِ فِعْلٍ كما يُجزَى سِنِمَّارُ
والتعقيدُ أن يكونَ الكلامُ خَفِيَّ الدَّلالةِ على المعنى المرادِ. والخفاءُ إمَّا من جهةِ اللفظِ بسببِ تقديمٍ أو تأخيرٍ أو فصْلٍ، ويُسمَّى تعقيدًا لفظيًّا، كقولِ المتنبِّي:
جَفَخَتْ [1] وهُم لا يَجْفَخُونَ بهابِهِم * شِيَمٌ على الحسَبِ الأغَرِّ دَلائلُ
فإنَّ تقديرَهُ: جَفَخَتْ بهم شيمٌ دلائلُ على الحسَبِ الأغرِّ وهم لا يَجفَخُون بها.
وأمَّا من جهةِ المعنى بسببِ استعمالِ مجازاتٍ وكناياتٍ لا يُفهَمُ المرادُ بها، ويُسمَّى تعقيدًا معنويًّا، نحوَ قولِكَ: نَشَرَ الملِكُ أَلْسِنَتَهُ في المدينةِ، مُرِيدًا جواسيسَهُ، والصوابُ نَشَرَ عُيُونَهُ. وقولِهِ:
سَأطْلُبُ بُعْدَ الدارِ عنكم لِتَقْرَبُوا * وتَسكُبُ عينايَ الدُّموعَ لِتَجمُدَا
حيثُ كنَّى بالجمودِ عن السرورِ، مع أنَّ الجمودَ يُكَنَّى بهِ عن البُخْلِ بالدموعِ وقتَ البكاءِ.
وفصاحةُ المتكلِّمِ مَلَكَةٌ [2] يَقتَدِرُ بها على التعبيرِ عن المقصودِ بكلامٍ فصيحٍ في أيِّ غرَضٍ كانَ.
(والبلاغةُ) في اللُّغةِ الوصولُ والانتهاءُ. يُقالُ: بَلَغَ فلانٌ مُرَادَهُ، إذا وَصَلَ إليهِ، وبَلَغَ الركْبُ المدينةَ، إذا انتهى إليها. وتَقَعُ في الاصطلاحِ وصْفًا للكلامِ والمتكلِّمِ.
1 -فبلاغةُ الكلامِ مُطَابقتُهُ لمُقْتَضَى الحالِ مع فصاحتِهِ. والحالُ، ويُسَمَّى بالمقامِ [3] ، هو الأمرُ الحامِلُ للمتكلِّمِ على أن يُورِدَ عبارتَهُ على صورةٍ مخصوصةٍ.
(1) (قولُه: جَفَخَتْ) ، أي: تَكَبَّرَتْ وافْتَخَرَتْ كما في القاموسِ.
(2) (10) (قولُه: مَلَكَةٌ إلخ) ، المَلَكَةُ هي الكيفيَّةُ الراسخةُ في النفسِ، فالكيفيَّةُ جنسٌ تَشمَلُ أقسامَ الكَيْفِ الأربعةَ: الكيفيَّاتُ المحسوسةُ، أي المدرَكةُ بأحدِ الحواسِّ الخمْسِ، راسخةً كانت كحلاوةِ العسَلِ، أو غيرَ راسخةٍ كحُمرةِ الخجَلِ. والكيفيَّاتُ المختصَّةُ بالكَمِّيَّاتِ، كالزوجيَّةِ والفرديَّةِ في الكمِّ المنفصِلِ، والاستقامةِ والانحناءِ في المتَّصِلِ. والكَيفيَّاتُ النفسانيَّةُ، أي المختصَّةُ بذواتِ الأنفُسِ، سواءٌ رَسَخَتْ في النفسِ كمَلَكَةِ العلْمِ والكتابةِ أم لا كالمرَضِ والفرَحِ. والكيفيَّاتُ الاستعداديَّةُ، أي المقتَضِيَةُ استعدادًا وانفعالًا وتهيُّؤًا لقَبولِ أثَرٍ ما بسهولةٍ كاللِّينِ وتُسَمَّى اللاقوَّةَ، أو بصعوبةٍ كالصلابةِ وتُسَمَّى القوَّةَ، وقولُه: الراسخةُ، فصْلٌ أوَّلُ مُخْرِجٌ للحالِ، وهو كيفيَّةٌ غيرُ راسخةٍ، سواءٌ كان من شأنِها الرسوخُ ولكنها لم تَرْسُخْ كالكيفيَّةِ التي يُدرَكُ بها العلْمُ أوَّلَ أمْرِها، أم لا كالمرضِ والفرَحِ، وقولُه: في النفسِ، فصْلٌ ثانٍ مُخْرِجٌ للراسخةِ في الجسمِ كالبياضِ.
(3) (11) (قولُه: ويُسَمَّى بالمقامِ) ، أي: وبقرينةِ السياقِ عندَ علماءِ المعاني وعندَ الفقهاءِ بالبِساطِ.