الصفحة 34 من 86

والمقْتَضَى، ويُسَمَّى الاعتبارَ المناسبَ، هو الصورةُ المخصوصةُ [1] التي تُورَدُ عليها العبارةُ. مثلًا: المدْحُ حالٌ يَدْعُو لإيرادِ العبارةِ على صورةِ الإطنابِ، وذكاءُ المخاطَبِ حالٌ يَدعو لإيرادِها على صورةِ الإيجازِ، فكلٌّ من المدْحِ والذكاءِ حالٌ، وكلٌّ من الإطنابِ والإيجازِ مقْتَضًى، وإيرادُ الكلامِ على صورةِ الإطنابِ والإيجازِ مُطَابَقةٌ للمُقْتَضَى [2] .

2 -وبلاغةُ المتكلِّمِ مَلَكَةٌ يَقتَدِرُ بها على التعبيرِ عن المقصودِ بكلامٍ بليغٍ في أيِّ غرَضٍ كان. ويُعرَفُ التنافرُ [3] بالذَّوْقِ، ومخالَفَةُ القياسِ بالصرْفِ، وضعْفُ التأليفِ والتعقيدُ اللفظيُّ بالنحْوِ، والغرابةُ بكثرةِ الاطِّلاعِ على كلامِ العربِ، والتعقيدُ المعنويُّ بالبيانِ، والأحوالُ ومقتضياتُها بالمعاني.

فوَجَبَ على طالبِ البلاغةِ معرفةُ اللغةِ والصرْفِ والنحوِ والمعاني والبيانِ مع كونِهِ سليمَ الذوقِ كثيرَ الاطِّلاعِ على كلامِ العرَبِ.

عِلْمُ المعاني

هو عِلْمٌ يُعرَفُ به أحوالُ اللفظِ [4] العربيِّ التي بها يطابقُ مقْتَضَى الحالِ، فتَختَلِفُ صُوَرُ الكلامِ لاختلافِ الأحوالِ [5] . مثالُ ذلكَ [6] قولُهُ تعالى: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} .

(1) (قولُه: هو الصورةُ المخصوصةُ) ، هذا جَرْيٌ على خلافِ ما حَقَّقَهُ العلَّامَةُ السعْدُ، والذي حَقَّقَه العلَّامَةُ السعْدُ أنَّ مُقتَضَى الحالِ هو الكلامُ الكُلِّيُّ الذي هو موصوفُ تلكَ الصورةِ المخصوصةِ، ووجْهُ كلٍّ من السعْدِ وغيرِه ما ادَّعَاهُ انظُر الصَّبَّانَ.

(2) (13) (قولُه: مطابَقةٌ للمُقْتَضَى) ، بمعنى أن صورةَ الإطنابِ أو الإيجازِ الجزئيَّةِ التي اشْتَمَلَ الكلامُ عليها فرْدٌ من أَفرادِ صُوَرِ الإطنابِ أو الإيجازِ الكُلِّيَّةِ، التي هي مُقتَضَى الحالِ، فالمطابَقةُ هنا عكْسُ مطابَقةِ الكُلِّيِّ لِجُزئيَّاتِه؛ إذ هي صِدْقُ الكُلِّيِّ على كلِّ واحدٍ منها.

(3) (14) (قولُه: التنافُرُ) ، أيْ: بنوعَيْه: تنافرِ الحروفِ وتنافُرِ الكلماتِ.

(4) (15) (قولُه: أحوالُ اللفظِ) ، أي: صُوَرُه المخصوصةُ الجزئيَّةُ، كالتأكيدِ وعدَمِه، والإطنابِ، والإيجازِ، وحذْفِ المسنَدِ إليه وذِكْرُه، فهو جمْعُ حالٍ بمعنى الصورةِ لا بمعنى الأمرِ الحاملِ للمتكلِّمِ إلخ، كما مَرَّ فافْهَمْ.

(5) (16) (قولُه: لاختلافِ الأحوالِ) ، جمْعُ حالٍ بمعنى الأمْرِ الحاملِ للمتكلِّمِ على أن يُورِدَ عبارتَه على صورةٍ مخصوصةٍ كما مَرَّ، لا بمعنى الصورةِ كما لا يَخفَى.

(6) (17) (قولُه: مثالُ ذلكَ) ، أي: الاختلافُ المذكورُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت