فهرس الكتاب
فإنَّ ما قَبْلَ (أَمْ) صورةٌ من الكلامِ تُخالِفُ صورةَ ما بعدَها؛ لأنَّ الأُولى فيها فعْلُ الإرادةِ مبنيٌّ للمجهولِ، والثانيةُ فيها فعْلُ الإرادةِ مبنيٌّ للمعلومِ، والحالُ الداعي لذلكَ نِسبةُ الخيرِ إليه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في الثانيةِ، ومَنْعُ نِسبةِ الشرِّ إليهِ في الأولى. ويَنحصِرُ الكلامُ هنا على هذا العلْمِ في ستَّةِ أبوابٍ.
البابُ الأوَّلُ
الخبرُ والإنشاءُ
كلُّ كلامٍ فَهُو إمَّا خبرٌ أو إنشاءٌ، والخبرُ ما يَصِحُّ أن يُقَالَ لقائلِهِ إنهُ صادقٌ فيهِ أو كاذبٌ، كَسَافرَ محمَّدٌ، وعليٌّ مُقيمٌ. والإنشاءُ ما لا يَصِحُّ أن يُقالَ لقائلِهِ ذلكَ، كَسَافِرْ يا محمُّدُ، وأَقِمْ يا عليُّ. والمرادُ بصدْقِ الخبرِ مطابقتُهُ [1] للواقعِ، وبكذبِهِ عدَمُ مطابقتِهِ لهُ. فجملةُ عليٌّ مقيمٌ، إن كانت النِّسبةُ المفهومةُ منها مطابِقةٌ لما في الخارجِ فصِدْقٌ، وإلا فَكَذِبٌ، ولكلِّ جملةٍ رُكنانِ؛ محكومٌ عليهِ ومحكومٌ بهِ [2] ، ويُسمَّى الأوَّلُ مُسْنَدًا إليهِ، كالفاعلِ ونائبِهِ والمبتدَأِ الذي له خبرٌ، ويُسمَّى الثاني مسنَدًا كالفعلِ والمبتدأِ المكْتَفِي بمرفوعِهِ.
(الكلامُ على الخبَرِ)
الخبرُ إمَّا أن يكونَ جملةً فعليَّةً أو اسميَّةً.
(الأُولى) : موضوعةٌ لإفادةِ الحدوثِ في زمنٍ مخصوصٍ مع الاختصارِ، وقد تُفيدُ الاستمرارَ التجدُّدِيَّ بالقرائنِ إذا كان الفعْلُ مضارِعًا، كقولِ طريفٍ:
أوَكُلَّما ورَدَتْ عُكَاظَ قبيلةٌ * بعَثُوا إليَّ عَرِيفَهُم يَتَوَسَّمُ
(والثانيةُ) : موضوعةٌ لمجرَّدِ ثبوتِ المسنَدِ للمسْنَدِ إليهِ، نحوَ الشمسُ مضيئةٌ. وقد تُفيدُ الاستمرارَ بالقرائنِ إذا لم يكُنْ في خبرِها فِعْلٌ، نحوَ: العلْمُ نافعٌ، والأصلُ في الخَبَرِ أَنْ [3] يُلْقَى لإفادةِ المخاطَبِ الحكْمَ الذي تَضمَّنَتْهُ الجملةُ [4] ، كما في قوْلِنا:
(1) (قولُه: مطابَقتُه) ، أي: موافقةُ نِسبتِه الكلاميَّةِ للواقِعِ، أي لنِسبتِه الخارجيَّةِ في الإثباتِ أو في النفيِ.
(2) (قولُه: رُكْنَانِ محكومٌ عليه ومحكومٌ به) ، وما زادَ على ذلكَ غيرَ المضافِ إليه والصِلَةِ فهو قيْدٌ.
(3) (قولُه: والأصلُ في الخبَرِ أن يُلْقَى لإفادةِ إلخ) ، وقد يُلْقَى لأغراضٍ أُخَرَى:
1 -... كالاسترحامِ، في قولِ موسى عليه السلامُ: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} .
2 -... وإظهارِ الضعْفِ، في قولِ زكريَّا عليه السلامُ: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} .
3 -... وإظهارِ التَّحَسُّرِ، في قولِ امرأةِ عِمرانَ: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} .
(4) (21) (قولُه: الحكْمَ الذي تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ) ، المرادُ به النِّسبةُ بينَ الطرَفَيْنِ المحكومِ بها، أي التي هي ثبوتُ المحكومِ به للمحكومِ عليه، أو انتفاؤه عنه في الواقعِ، كما هو المتعارَفُ بينَ أَرْبابِ العربيَّةِ، وهذا هو المعنيُّ بوقوعِ النسبةِ أو لا وقوعِها، أي النسبةُ الواقعةُ، أي المتحقِّقةُ في الخارجِ أو غيرُ المتحقِّقةِ فيه. وليس المرادُ بالحكْمِ هنا الإيقاعَ والانتزاعَ الذي هو عِبارةٌ عن إذعانِ النسبةِ، أي إدراكُ أنها واقِعةٌ أو ليست بواقِعةٍ، وإن كان هو الذي عليه الأكثَرُ؛ لأمرين: الأوَّلُ أنَّ الإيقاعَ والانتزاعَ وإن كان مدلولَ الخبرِ على قولِ الأكثرِ إلا أنه ليس مقصودًا بالإفادةِ، بل وسيلةً لما قُصِدَ إفادتُه، وهو وقوعُ النسبةِ أو لا وقوعُها؛ وذلكَ لأنَّ المخاطَبَ يَستفيدُ الإيقاعَ والانتزاعَ من الخبرِ، ثم يَنتقِلُ إلى متعلِّقِه الذي هو المقصودُ بالإعلامِ، وهو وقوعُ النِّسبةِ أو لا وقوعُها. ويَدُلُّ لذلكَ ما هو الحقُّ عندَهم من أنَّ الألفاظَ لا دَلالةَ لها في نفسِها على ما في الخارجِ، بل دَلالتُها على الصُّوَرِ الذهنيَّةِ أوَّلًا وبالذاتِ وبواسطتِها على ما في الخارجِ لما بينَهما من الارتباطِ. والثاني، أنه ليس قَصْدُ الْمُخْبِرِ إفادةَ أنه أوقَعَ النسبةَ، أي أَدرَكَ أنها مطابِقةٌ للواقِعِ أو لا، ولا أنه عالِمٌ بأنه أوْقَعَها؛ لأن الإدراكَ من أوصافِ الشخصِ، فلو أُريدَ لمَّا كان لِإِنكارِ الحكْمِ معنًى، إذ لا يَصِحُّ أن يقولَ المخاطَبُ للمتكلِّمِ: أنت لم تُوقِع النسبةَ ا. هـ. ملَّخَّصًا من الدُّسُوقيِّ.