الصفحة 39 من 86

(وأمَّا الاستفهامُ) ، فهو طَلَبُ العلْمِ بشيءٍ. وأدواتُهُ: الهمزةُ، وهل، وما، ومَن، ومتى، وأيَّانَ، وكيفَ، وأنَّى، وأينَ، وكَمْ، وأيٌّ.

1 -فالهمزةُ، لِطَلَبِ التصوُّرِ أو التصديقِ. والتصوُّرُ هو إداراكُ المفرَدِ [1] ، كقولِكَ: أَعَلِيٌّ مسافرٌ أم خالدٌ؟ تَعتقِدُ أنَّ السفَرَ حصَلَ من أحدِهما، ولكنْ تَطلُبُ تعيينَهُ؛ ولذا يُجابُ بالتعيينِ فيُقالُ: عليٌّ، مَثلًا. والتصديقُ هو إدراكُ النِّسبةِ [2] نحوَ: أسافَرَ عليٌّ؟ تَستَفْهِمُ عن حصولِ السفَرِ وعدمِهِ، ولذا يُجابُ بنعمٍ أو لا. والمسئولُ عنهُ في التصوُّرِ ما يَلِي الهمزةَ، ويكونُ لهُ مُعَادِلٌ يُذكَرُ بعدَ أمْ، وتُسمَّى مُتَّصِلَةً، فتقولُ في الاستفهامِ عن المسنَدِ إليهِ [3] : أأنتَ فعلْتَ هذا أم يُوسُفُ؟

وعن المسنَدِ: أراغِبٌ أنتَ عن الأمْرِ أم راغبٌ فيهِ؟ وعن المفعولِ: أَإِيَّايَ تَقْصِدُ أم خالدًا؟ وعن الحالِ: أراكِبًا جئتَ أم ماشيًا؟ وعن الظرْفِ: أيومَ الخميسِ قَدِمْتَ أم يومَ الْجُمُعَةِ؟ وهكذا. وقد لا يُذْكَرُ المعادِلُ نحوَ: أأنتَ فعلْتَ هذا؟ أراغبٌ أنتَ عن الأمْرِ؟ أإيَّايَ تَقْصِدُ؟ أَراكبًا جئْتَ؟ أيومَ الخميسِ قَدِمْتَ؟ والمسئولُ عنهُ في التصديقِ النِّسبَةُ [4] ، ولا يكونُ لها معادِلٌ، فإذا جاءَتْ أمْ بعدَها قُدِّرَتْ مُنقَطِعةً، وتكونُ بمعنى بلْ.

2 -وهلْ، لطلَبِ التصديقِ فقطْ، نحوَ: هل جاءَ صديقُكَ؟ والجوابُ: نعمْ أو لا؛ ولِذَا يَمتنِعُ [5] معها ذِكْرُ المعادِلِ، فلا يُقالُ [6] : هل جاءَ صديقُكَ أم عدوُّكَ؟ وهل تُسَمَّى بسيطةً إن استُفْهِمَ بها [7] عن وجودِ شيءٍ في نفسِهِ، نحوَ: هل العَنقاءُ موجُودَةٌ؟ ومُرَكَّبةً إن استُفْهِمَ بها عن وجودِ شيءٍ لشيءٍ [8] ، نحوَ: هل تَبيضُ العَنقاءُ وتُفْرِخُ؟

(1) (قولُه: هو إدراكُ المفرَدِ) ، المرادُ بالمفرَدِ ما ليسَ وقوعَ النِّسبةِ، فيَشمَلُ إدراكَ المسنَدِ إليه، وإدراكَ المسنَدِ، وإدراكَ النسبةِ، وإداركَ الاثنَيْنِ من الثلاثةِ، وإدراكَ الثلاثةِ، وقولُه: هو إدراكُ النِّسبةِ، فيه مضافٌ محذوفٌ، أي هو إدراكُ وقوعِ النِّسبةِ.

(2) (قولُه: هو إدراكُ النِّسبةِ) ، أي: إدراكُ وقوعِ نِسبةٍ تامَّةٍ بينَ شيئَيْنِ، أو اللاوقوعِها، أي إدراكُ موافقَتِها لما في الواقعِ أو عدمِ موافقتِها له، وذلكَ الإدراكُ كما يُسمَّى تصديقًا يُسمَّى حُكْمًا وإسنادًا وإيقاعًا وانتزاعًا وإيجابًا وسلْبًا.

(3) (قولُه: على المسنَدِ إليه) ، المناسِبُ عن بدَلَ على، تَنَبَّهْ.

(4) (قولُه: والمسئولُ عنه في التصديقِ النِّسبةُ) ، أي: وقوعُها أو عدَمُ وقوعِها.

(5) (قولُه: ولذا يَمتَنِعُ معها إلخ) ، قالَ الشَّمَنِيُّ: أي في الفصيحِ الشائعِ؛ حيثُ تكونُ هل لطَلَبِ التصديقِ، وقد تَخرُجُ لطلَبِ التصوُّرِ فيُؤتَى لها بمعادِلٍ، كقولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لجابرٍ:"هَلْ تَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟"ولكنَّهُ نادرٌ.

(6) (قولُه: فلا يُقالُ إلخ) ، أي: إذا أُريدَ بأَمْ المتَّصِلَةِ، لا إن أُريدَ أَمْ المنقَطِعةُ وقُدِّرَ ما بعدَها جملةً ا. هـ. مُغْنِي وأميرٌ.

(7) (قولُه: إن اسْتُفْهِمَ بها) ، أي: بهل عن وجودِ شيءٍ هو الموضوعُ كالعَنقاءِ في نفسِه؛ وذلكَ لأنه استَفْهَمَ بها عن الثبوتِ الحاصلِ بينَ الشيءِ ووجودِه، وهما كالشيءِ الواحدِ؛ لأنَّ الوجودَ عينُ الموجودِ على ما فيه.

(8) (وقولُه: ومركَّبةً إن استُفْهِمَ بها عن وجودِ شيءٍ لشيءٍ) ، أي: ثبوتُ محمولٍ لموضوعٍ كالعَنقاءِ والتفريخِ، فهذه قد استُفْهِمَ بها عن ثبوتِ مركَّبٍ، والأُولى عن ثبوتٍ بسيطٍ، والحاصلُ أن كلًّا من البسيطةِ والمركَّبةِ داخلٌ على جملةٍ مشتمِلةٍ على ثلاثةِ أجزاءٍ: الموضوعِ والمحمولِ كالعَنقاءِ وتفريخِها في الثانيةِ، والعَنقاءِ ووُجودِها في الأُولى، ونِسبةٍ وهي وجودُ المحمولِ للموضوعِ أي ثبوتُه له، كثبوتِ التفريخِ للعَنقاءِ في مثالِ المركَّبةِ، وثبوتِ الوجودِ أي التحقُّقُ في الخارجِ للعَنقاءِ في مثالِ البسيطةِ، ولما كان المحمولُ غيرَ الموضوعِ في مثالِ المركَّبةِ كان الثبوتُ المستَفْهَمُ عنه بها الرابطُ بينَهما مركَّبًا، ولما كان الوجودُ الواقعُ محمولًا عَيْنَ الموجودِ الواقعِ موضوعًا في مثالِ البسيطةِ صارَ الثبوتُ المستَفهَمُ عنه بها الرابطُ بينَهما بسيطًا، فإذا نُظِرَ لغيرِ الوجودِ الواقعِ رابطةً في المثالَيْنِ كان المعتَبَرُ في أوَّلِهما شيئًا واحدًا هو العَنقاءُ، وفي ثانيهما شيئَيْنِ هما العَنقاءُ وتفريخُها، وإن اعتُبِرَ الوجودُ الواقعُ رابطةً في المثالَيْنِ كان المعتَبَرُ في الأوَّلِ شيئَيْنِ، وفي الثاني ثلاثةً. وعلى كلِّ حالٍ فالاعتبارُ الأوَّلُ فيه بساطةٌ بالنِّسبةِ إلى الثاني، بمعنى قِلَّةِ المعتَبَرِ وكثرتِه، لا بمعنى ما لا جزءَ له وما له جزءٌ، فافْهَمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت