الصفحة 42 من 86

وللتمنِّي أربعُ أدواتٍ: واحدةٌ أصليَّةٌ [1] ، وهي لَيْتَ، وثلاثٌ غيرُ أصليَّةٍ [2] وهي: هل، نحوَ: {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا} ، ولو، نحوَ: {فَلَو أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، ولعلَّ، نحوَ: قولِهِ:

أسِرْبَ القطَا هَلْ مَن يُعِيرُ جَناحَهُ * لعلِّي إلى مَن قد هَوَيْتُ أَطِيرُ

ولاستعمالِ هذهِ الأدواتِ [3] في التمنِّي يُنصبُ المضارعُ [4] الواقعُ في جوابِها.

(وأمَّا النداءُ) ، فهو طلَبُ الإقبالِ بحرفٍ نائبٍ منابَ أَدْعُو. وأدواتُه ثمانٍ: يا، والهمزةُ، وأَيْ، وآ، وآي، وأيَا، وهَيَا، ووا. فالهمزةُ وأيْ للقريبِ، وغيرُهما للبعيدِ. وقد يَنزِلُ البعيدُ منزلةَ القريبِ فيُنَادَى بالهمزةِ وأيْ؛ إشارةً إلى أنَّهُ لشِدَّةِ استحضارِهِ في ذِهْنِ المتكلِّمِ صارَ كالحاضرِ معهُ، كقولِ الشاعرِ:

أسٌكَّانَ نُعْمَانَ الأراكِ تيَقَّنُوا * بأنَّكم في رَبْعِ قَلْبِي سُكَّانُ

وقد يَنزِلُ القريبُ منزلةَ البعيدِ فيُنادَى بأحدِ الحروفِ الموضوعةِ لهُ؛ إشارةً إلى أنَّ المنادَى عظيمُ الشأنِ رفيعُ المرْتَبَةِ، حتَّى كأنَّ بُعْدَ دَرَجتِهِ في العِظَمِ عن درجةِ المتكلِّمِ بُعدٌ في المسافةِ، كقولِكَ: أَيَا مولايَ، وأنتَ معهُ، أو إشارةً إلى انحطاطِ درجتِهِ، كقولِكَ: أيا هذا، لمن هو معكَ، أو إشارةً إلى أنَّ السامعَ غافلٌ لنحوِ نَوْمٍ أو ذُهولٍ، كأنَّهُ غيرُ حاضرٍ في المجلسِ، كقولِكَ للسَّاهِي: أَيَا فلانُ.

(1) (قولُه: أصلِيَّةٌ) ، أي: حقيقيَّةٌ؛ لكونِها وُضِعَتْ له.

(2) (قولُه: غيرُ أصليَّةٍ) ، أي: غيرُ حقيقيَّةٍ، أمَّا هل فتَدُلُّ عليه مجازًا، إما بالاستعارةِ التبعيَّةِ بتشبيهِ التمنِّي المطلَقِ بمطلَقِ استفهامٍ بجامِعِ مطلَقِ الطلَبِ في كلٍّ، فسَرَى التشبيهُ للجزئيَّاتِ، فاستعيرَتْ هل الموضوعةُ للاستفهامِ الجزئيِّ للتمنِّي الجزئيِّ، وإما مرسَلٌ تَبعيٌّ بنقلِ هل من طلَبِ الفهْمِ إلى مطلَقِ الطلَبِ واستعمالِها في طلَبِ حصولِ الشيءِ المحبوبِ، إمَّا من حيثُ اندراجُه تحتَ مطلَقِ الطلَبِ وإما من حيثُ خصوصُه لعَلاقةِ التقييدِ أو التقييدِ والإطلاقِ، وأما لو فكذلكَ على طريقِ التجوُّزِ؛ لأنَّ أصلَ وضعِها الشرطيَّةُ، والتجوُّزُ فيها مثلُه في هل، والنُّكتةُ في التمنِّي بهل والعدولِ عن لَيْتَ هو إبرازُ المتمَنِّي لكمالِ العنايةِ به في صورةِ الممكِنِ الذي لا جَزْمَ بانتفائِه، وفي التمنِّي بلو والعدولِ عن لَيْتَ الإشعارُ بعزَّةِ الْمُتَمَنَّي، حيثُ أُبْرِزَ في صورةِ ما لم يُوجَدْ؛ لأنَّ لو في الأصلِ حرفُ امتناعٍ لامتناعٍ، وأما لعلَّ فالتمنِّي فيها من مُستتبعاتِ التركيبِ، وليس معنًى مجازيًّا لها؛ وذلكَ لأنها مستعمَلةٌ في مرجوٍّ بعيدِ الحصولِ كالطيرانِ فيُشبِهُ الْمُحالَ، وما لا طمَعَ في وقوعِه من الممكِنِ بجامعِ البعْدِ وعدَمِ الحصولِ في كلٍّ، فيَتولَّدُ من ذلكَ الشبَهِ تَمنِّيهِ. دسوقيٌّ.

(3) (قولُه: ولاستعمالِ هذه الأدواتِ) ، أي: هل ولو ولعلَّ.

(4) (قولُه: يُنصَبُ المضارِعُ إلخ) ، هذا ظاهرٌ في لو، إذ لا يُنصَبُ بعدَها لو كانت على أصلِها؛ لكونِه إنما يُنصَبُ بأنْ مضمَرةً بعدَ الأشياءِ الستَّةِ، أعني الاستفهامَ والتمنِّي والعَرْضَ والأمْرَ والنهيَ والنفيَ، ويَدخُلُ في العرْضِ التحضيضُ، وفي الأمْرِ الدعاءُ، وكذا في لعلَّ؛ لأنه لا يُنصَبُ في جوابِ الترجِّي عندَ البصريِّينَ، بل عندَ الكوفيِّين فنصبُه بعدَها لا يَدُلُّ على أنها مستعمَلةٌ في التمنِّي إلا على مذهَبِ البصريِّينَ، وأمَّا هل فنَصْبُ المضارِعِ بعدَها ثابتٌ مُطلَقًا، ولو بَقيَتْ على أصلِها كما لا يَخفَى، فافَهَمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت