فهرس الكتاب
وغيرُ الطَّلَبِيِّ يكونُ بالتعجُّبِ والقَسَمِ وصِيَغِ العُقُودِ [1] ، كبِعْتُ واشتريْتُ، ويكونُ بغيرِ ذلكَ [2] . وأنواعُ الإِنشاءِ غيرِ الطلَبيِّ ليسَتْ من مباحِثِ علْمِ المعاني [3] ؛ فلذا ضَرَبْنا صَفْحًا عنها.
(البابُ الثاني - في الذكْرِ والحذْفِ)
إذا أُريدَ إفادةُ السامعِ حكْمًا، فأيُّ لفظٍ يَدُلُّ على معنًى فيهِ فالأصلُ ذكرُهُ، وأيُّ لفظٍ عُلِمَ من الكلامِ لِدَلالةٍ باقيةٍ عليهِ فالأصلُ حذفُهُ، وإذا تَعارَضَ هذانِ الأصلانِ فلا يُعْدَلُ عن مقْتَضَى أحدِهما إلى مُقْتَضى الآخَرِ إلا لِدَاعٍ. فمن دَوَاعي الذِّكْرِ:
1 -زيادةُ التقريرِ والإيضاحِ، نحوَ: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
2 -والتسجيلُ على السامعِ حتَّى لا يَتأتَّى لهُ الإنكارُ، كما إذا قالَ الحاكِمُ لشاهِدٍ: هل أَقَرَّ زيدٌ هذا بأنَّ عليهِ كذا؟ فيقولُ الشاهدُ نعمْ، زيدٌ هذا أَقَرَّ بأنَّ عليهِ كذا.
ومن دواعِي الحذْفِ:
1 -إخفاءُ الأمرِ عن غيرِ المخاطَبِ، نحوَ: أقْبِلْ [4] ، (تريدُ عليًّا مثلًا) .
2 -وضِيقُ المقامِ، إمَّا لتوجُّعٍ، نحوَ:
قالَ لي كيفَ أنتَ قلتُ عليلُ * سَهَرٌ دائمٌ وحزْنٌ طويلُ
وإمَّا لخوفِ فواتِ فرصةٍ، نحوَ قولِ الصيَّادِ: غزالٌ.
3 -والتعميمُ باختصارٍ، نحوَ: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} ، أي جميعَ عِبادِهِ؛ لأنَّ حذْفَ المعمولِ يُؤذِنُ بالعمومِ.
4 -وتنزيلُ المتعَدِّي منزِلةَ اللازمِ لعدَمِ تعلُّقِ الغرَضِ بالمعمولِ، نحوَ: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} .
ويُعَدُّ من الحذْفِ إسنادُ الفعْلِ إلى نائبِ الفاعلِ، فيُقالُ: حُذِفَ الفاعلُ للخوفِ منهُ، أو عليهِ، أو للعلْمِ بهِ أو الجهلِ، نحوَ: سُرِقَ المتاعُ، {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} .
(1) (قولُه: وصِيَغِ العقودِ) ، أيْ: والفُسوخِ، مثلَ: طلَّقْتُ وأقَلْتُ.
(2) (قولُه: ويكونُ بغيرِ ذلكَ) ، أي: كبعضِ أفعالِ المقارَبَةِ، وهي عسى وحَرِيٌّ واخلَوْلَقَ، وأفعالِ المدْحِ والذمِّ كنِعْمَ وبِئْسَ.
(3) (قولُه: ليسَتْ من مباحِثِ علْمِ المعاني) ، أي لقلِّةِ المباحثِ البيانيَّةِ المتعلِّقةِ بها؛ بسببِ قلِّةِ دَوْرِها على الألسنةِ؛ ولأنَّ أكثرَها وهو ما عدا أفعالَ التَّرَجِّي والقَسَمِ في الأصلِ أخبارٌ نُقِلَتْ إلى معنى الإنشاءِ، وحينئذٍ فيُستَغْنَى بأداتِها الخبريَّةِ عن الإنشائيَّةِ؛ لأنها تُنْقَلُ مستصحَبَةً لما يُرتَكَبُ فيها في الخبريَّةِ.
(4) (قولُه: نحوَ: أقْبِلْ) ، في جعْلِ هذا ونحوِهِ من حذْفِ المسنَدِ إليه نظرٌ ظاهرٌ، فإنَّ فاعلَ أقْبِلْ ضميرٌ مستَتِرٌ تقديرُه هو دَلَّتْ على مرجِعِه قرينةُ السياقِ، والفرْقُ بينَ الاستتارِ والحذْفِ مقرَّرٌ في محلِّه، فتنَبَّهْ.