الصفحة 44 من 86

(البابُ الثالثُ - في التقديمِ والتأخيرِ)

من المعلومِ أنَّهُ لا يمكنُ النطْقُ بأجزاءِ الكلامِ دُفْعَةً واحدةً، بل لا بُدَّ من تقديمِ بعضِ الأجزاءِ وتأخيرِ البعضِ، وليس شيءٌ منها في نفسِهِ أَوْلَى بالتقدُّمِ من الآخَرِ [1] ؛ لاشتراكِ جميعِ الألفاظِ من حيثُ هي ألفاظٌ في درجةِ الاعتبارِ، فلا بدَّ لتقديمِ هذا على ذلك من داعٍ يُوجِبُهُ. فمِنَ الدَّوَاعِي:

1 -التشويقُ إلى المتأخِّرِ إذا كان المتقدِّمُ مُشْعِرًا بغرابةٍ، نحوَ:

والذِي حَارتِ البَرِيَّةُ فيهِ [2] ... * حيوانٌ [3] مُسْتَحْدَثٌ من جَمادِ [4]

2 -وتَعجيلُ المسرَّةِ أو المُساءَةِ، نحوَ: العفوُ عنكَ صَدَرَ بهِ الأمْرُ، أو القِصاصُ حَكَمَ بهِ القاضي.

3 -وكَوْنُ المتقدَّمِ مَحَطَّ الإنكارِ والتعجُّبِ، نحوَ: أبَعْدَ طُولِ التجرِبةِ تَنخَدِعُ بهذهِ الزخارفِ؟

4 -والنصُّ على عمومِ السلْبِ أو سلْبِ العُمومِ، فالأوَّلُ يكونُ بتقديمِ أداةِ العمومِ على أداةِ النفيِ، نحوَ: كلُّ ذلكَ لم يكُنْ، أي لم يَقَعْ هذا ولا ذاكَ، والثاني يكونُ بتقديمِ أداةِ النفيِ على أداةِ العمومِ، نحوَ: لم يكنْ كلُّ ذلكَ، أي لم يَقَع المجموعُ، فيَحتَمِلُ ثبوتَ البعضِ، ويَحتمِلُ نفيَ كلِّ فردٍ.

5 -والتخصيصُ، نحوَ: ما أنا قلتُ - وإيَّاكَ نَعبُدُ.

ولم يُذْكَرْ لكلٍّ من التقديمِ والتأخيرِ دواعٍ خاصَّةٍ؛ لأنَّهُ إذا تَقدَّمَ أحدُ رُكْنَي الجملةِ تَأخَّرَ الآخَرُ، فهما متلازمانِ.

(البابُ الرابعُ - في القَصْرِ)

القَصْرُ تَخصيصُ [5] شيءٍ بشيءٍ [6] بطريقٍ مخصوصٍ [7] . ويَنقسِمُ إلى حقيقيٍّ وإضافيٍّ [8] . (فالحقيقيُّ) ما كان الاختصاصُ فيه بحسْبِ الواقعِ والحقيقةِ، لا بحسْبِ الإضافةِ إلى شيءٍ آخَرَ [9] ، نحوَ: لا كَاتِبَ في المدينةِ إلا عليٌّ، إذا لم يكنْ

(1) (قولُه: أَوْلَى بالتقَدُّمِ من الآخَرِ) ، هذا بعدَ مُراعاةِ ما تَجِبُ له الصدارةُ كألفاظِ الشرْطِ وألفاظِ الاستفهامِ.

(2) (قولُه: حارَتِ البَرِيَّةُ فيه) ، أي: اخْتَلَفَت الخلائِقُ في أنه يُعادُ أو لا يُعادُ، بدليلِ ما قبلَه وهو:

بان أمْرُ الإلهِ واختلَفَ النا ... * ... سُ فداعٍ إلى ضلالٍ وهادِي

(3) (وقولُه: حيوانٌ) ، أي: مَعادُ حيوانٍ.

(4) (قولُه: مستحْدَثٌ من جَمادِ) ، أرادَ بالجمادِ إمَّا النُّطفةَ بِناءً على أنه ما ليس بحيوانٍ وإن انفَصَلَ عنه، وإمَّا طينةَ آدمَ الذي هو أصلُه بِناءً على أنَّه ما ليسَ بحيوانٍ ولا منْفَصِلٍ عنه، وإمَّا الترابَ الذي تَنْبُتُ منه الأجسامُ الخارجةُ من القبورِ.

(5) (قولُه: القَصْرُ تخصيصُ إلخ) ، أي: ويَقَعُ بينَ المبتدأِ والخبَرِ نحوَ: ما زيدٌ إلَّا في الدارِ، وما في الدارِ إلَّا زيدٌ، فيكونُ قصْرَ موصوفٍ على صفةٍ، وقَصْرَ صفةٍ على موصوفٍ. وبينَ الفعْلِ والفاعلِ نحوَ: ما قامَ إلَّا زيدٌ، فيكونُ قَصْرَ صفةٍ على موصوفٍ، ولا يُتَوَهَّمُ إمكانُ عكسِه؛ إذ الفعْلُ لا يؤخَّرُ عن الفاعلِ ما دامَ فاعلًا، فإن خرَجَ عن الفاعليَّةِ رجَعَ الأمْرُ لقَصْرِ المبتدأِ على الخبرِ. وبينَ الفاعلِ والمفعولِ نحوَ: ما ضَرَبَ زيدٌ إلَّا عمْرًا، وما ضَرَبَ عمْرًا إلَّا زيدٌ. وبينَ المفعولَيْنِ نحوَ: ما أَعْطَيْتُ زيدًا إلَّا دِرهمًا، وما أَعطيْتُ درهمًا إلَّا زيدًا، وغيرِ ذلكَ من المتعلِّقاتِ. ومعنى قَصْرِ الفاعلِ على المفعولِ مثلًا قصْرُ الفعْلِ المسنَدِ إلى الفاعلِ على المفعولِ، أو قَصْرُ الفاعلِ نفسِه على الفعْلِ المتعلِّقِ بالمفعولِ. والمعنى على الأوَّلِ ما مضروبَ زيدٍ إلَّا عمرٌو، فيَرجِعُ لقَصْرِ الصفةِ على الموصوفِ حقيقيًّا إن أُريدَ دونَ كلِّ ما هو غيرُ عمرٍو، وإضافيًّا إن أُريدَ دونَ خالدٍ. والمعنى على الثاني ما زيدٌ إلَّا ضاربَ عمْرٍو، فيَرجِعُ لقَصْرِ الموصوفِ على الصفةِ حقيقيًّا إن أُريدَ دونَ كلِّ ما هو غيرُ ضاربِ عمرٍو، وإضافيًّا إن أُرِيدَ دونَ ضاربِ خالدٍ. وعلَى هذا قياسُ البَوَاقي، فافْهَمْ.

(6) (قولُه: شيءٍ بشيءٍ) ، أي: موصوفٍ بصفةٍ، أو صفةٍ بموصوفٍ.

(7) (قوله بطريقٍ مخصوصٍ) ، أي: من الطرُقِ الأربعةِ الآتيةِ، أو الستَّةِ التي هي الأربعةُ الآتيةُ وضميرُ الفصْلِ وتعريفُ المسنَدِ أو المسنَدِ إليه بأل الجنسيَّةِ. فالتخصيصُ الحاصلُ بصريحِ لفظِ الخصوصِ وما في حكمِه، والتأكيدُ الغيرُ الشموليِّ نحوَ: جاءَ زيدٌ نفسُه لا غيرُه، لا يُعَدُّ من طرُقِ القصْرِ اصطلاحًا وإن كان قَصْرًا بالمعنى اللُّغَوِيِّ.

(8) (قولُه: ويَنقسِمُ إلى حقيقيٍّ وإضافيٍّ) ، وقد يُقصَدُ بكلٍّ منهما المبالَغةُ. فأقسامُ القَصْرِ أربعةٌ: قصْرٌ حقيقيٌّ، على وجهِ الحقيقةِ، وقَصْرٌ حقيقيٌّ على وجهِ المبالَغةِ، فإنَّ نحوَ: ما في الدارِ إلَّا زيدٌ، إذا قُلْتَه مُرِيدًا لا غيرَهُ وكان فيها غيرُه ونزَّلْتَه منزِلةَ العدَمِ، كان القَصْرُ حقيقيًّا ادِّعائيًّا. وقَصْرٌ إضافيٌّ على وجهِ الحقيقةِ. وقصرٌ إضافيٌّ على وجهِ المبالَغةِ، فإنَّ نحوَ: ما في الدارِ إلَّا زيدٌ، إذا قَصَدَ أنَّه لا يَتجاوزُه إلى عمرٍو، وجَعَلَ حصولَ عمرٍو فيها منزِلةَ العدَمِ، كان قَصْرًا إضافيًّا ادِّعائيًّا.

(9) (قولُه: لا بحسْبِ الإضافةِ إلى شيءٍ آخَرَ) ، أي: لا بحسْبِ ملاحظةِ حالِ المخاطَبِ من تَرَدُّدٍ أو اعتقادِ خلافٍ أو شَرِكَةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت