فهرس الكتاب
غيرُهُ فيها من الكتَّابِ. (والإضافيُّ) ما كان الاختصاصُ فيه [1] بحسْبِ الإضافةِ إلى شيءٍ معيَّنٍ، نحوَ: ما عليٌّ إلا قائمٌ، أي إنَّّ له صفةَ القيامِ لا صفةَ القعودِ، وليس الغرضُ نفْيَ جميعِ الصفاتِ عنهُ ما عدا صفةَ القيامِ. وكلٌّ منهما يَنقسِمُ إلى قَصْرِ صفةٍ على موصوفٍ، نحوَ: لا فارسَ إلا عليٌّ، وقصرِ موصوفٍ على صفةٍ، نحوَ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} آية، فيَجوزُ عليه الموتُ. والقَصْرُ الإضافيُّ يَنقسِمُ باعتبارِ حالِ المخاطَبِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: قَصْرُ إفرادٍ، إذا اعتَقَدَ المخاطَبُ الشَّرِكَةَ، وقَصْرُ قلْبٍ، إذا اعتَقَدَ العكْسَ، وقَصْرُ تعيينٍ، إذا اعتَقَدَ واحدًا غيرَ مُعَيَّنٍ. وللقَصْرِ طرُقٌ [2] ، منها النفيُ والاستثناءُ [3] ، نحوَ: {إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} ،
(1) (وقولُه: والإضافيُّ ما كان الاختصاصُ فيه إلخ) ، أي: ما لُوحِظَ فيه الحقيقةُ، ونفسُ الأمْرِ مع ملاحظةِ حالِ المخاطَبِ السابقِ، ومِن ثَمَّ صرَّحُوا بأنَّ قَصْرَ الإفرادِ وقصْرَ القلْبِ وقصْرَ التعيينِ أقسامٌ للقصْرِ الإضافيِّ لا الحقيقيِّ، فكلٌّ من الحقيقيِّ والإضافيِّ حقيقةٌ للقَصْرِ اصطلاحًا، إلَّا أنَّ كمالَ الحقيقةِ في الأوَّلِ بسببِ كونِه هو الذي يُنافِي المشارَكةَ أوْجَبَ مناسَبةَ تسميتِه حقيقيًّا، وعدَمَ كمالِ الحقيقةِ في الثاني بسببِ صحَّةِ وجودِ مشارَكةٍ أُخرى فيه أوْجَبَ أن يُسمَّى إضافيًّا، وأن لا يُتَّخَذَ حقيقةً للتخصيصِ، وإن شَمِلَه مُطلَقُ التخصيصِ.
(2) (قولُه: وللقَصْرِ طرُقٌ) ، هي تَختلِفُ بعدَ اشتراكِها في إفادةِ القصْرِ من وجوهٍ؛ منها أنَّ التقديمَ يَدُلُّ على القَصْرِ بمفهومِ الكلامِ، أي بما يُفهَمُ في عُرْفِ البُلغاءِ من الأسرارِ، ودَلالةِ الثلاثةِ الباقيةِ عليه بالوضعِ، إمَّا بمعنى أنَّها موضوعةٌ له، إلَّا أنَّ أحوالَه من كونِه إِفرادًا أو قَلْبًا أو تعيينًا إنما يُستفادُ من هذهِ الثلاثةِ بمعونةِ المقامِ، وهي المقصودةُ من فنِّ المعاني، وإمَّا بمعنى أنَّ الواضعَ وَضَعَها لمعانٍ تُفيدُ القصْرَ، وهي إثباتُ المذكورِ ونفْيُ ما سواه. ومنها أنَّ الأصْلَ في طريقِ العطْفِ النصُّ على المثبَتِ والمنْفِيِّ، فلا يُترَكُ النصُّ عليهما بأن يُقالَ: زيدٌ يَعلَمُ النحْوَ لا غيرَ، في ردِّ الإثباتِ في قولِ القائلِ: زيدٌ يَعلَمُ النَّحْوَ والتصريفَ والعَروضَ، أو قولِه: زيدٌ يَعلَمُ النحوَ وعمرٌو وبَكْرٌ، والأصلُ في الثلاثةِ الباقيةِ النصُّ على المثبَتِ دونَ المنفيِّ، فلا تَدلُّ عليه الثلاثةُ إلَّا ضِمنًا.
(3) (قولُه: منها النفيُ والاستثناءُ إلخ) ، أي: النفيُ بأداةٍ من أدواتِه كَلَيْسَ وما وإن والاستثناءُ بإلَّا أو إحدى أخواتِها سواءٌ ذُكِرَ المستَثْنى منه نحوَ: ما جاءني أحدٌ إلَّا زيدٌ، أم لا نحو: ما جاءني إلَّا زيدٌ؛ فإنَّ الغرَضَ منه النفيُ ثمَّ الإثباتُ المحقِّقَانِ للقَصْرِ، وليس الغرَضُ منه تحصيلَ الحكْمِ فقطْ، وإلَّا لقِيلَ: جاءني زيدٌ. وأمَّا الاستثناءُ من الإثباتِ نحوَ: جاءَ القومُ إلَّا زيدًا، فلا يُفيدُ القَصْرَ؛ لأنَّ الغرَضَ منه الإثباتُ، والاستثناءُ قيْدٌ مصحِّحٌ له، فكأنَّكَ قُلْتَ: جاءَ القومُ المغايرونَ لزيدٍ، فلو أفادَ الاستثناءُ من الإثباتِ القَصْرَ لأفادَتْه الصفةُ في نحوِ: جاءَ الناسُ الصالحونَ، ولا قائلٌ به. والمحَكَّمُ في ذلكَ الاستعمالُ والذَّوْقُ السليمُ؛ ولذلكَ يُستعمَلُ النفيُ ثمَّ الاستثناءُ عندَ الإنكارِ دونَ الإثباتِ ثم الاستثناءِ. وفي هذا الطريقِ يؤخَّرُ المقصورُ عليه مع أداةِ الاستثناءِ سواءٌ كانتْ إلَّا أو غيرَها بأن يكونَ المقصورُ مقَدَّمًا على الأداةِ، وهي مقدَّمةٌ على المقصورِ عليه. قال النُّوبِيُّ: والسرُّ في تأخيرِ المقصورِ عليهِ أنَّ القَصْرَ أثَرٌ عن الحرْفِ الذي هو إلَّا، ويَمتَنِع ظهورُ أثَرِ الحرْفِ قبلَ وجودِه ا. هـ. واختلَفوا في جوازِ تقديمِ المقصورِ عليه الواقعِ بعدَ أداةِ الاستثناءِ معها على قِلَّةٍ على المقصورِ بِناءً على قولِ أكثرِ النحويِّينَ أنَّه لا يَجوزُ أن يُستثْنَى بإلَّا إلَّا شيءٌ واحدٌ لضعْفِها؛ لأنَّ أصلَها لا النافيةُ، وهي لا تَنفِي إلَّا شيئًا واحدًا، فيُعلَمُ مع التقديمِ؛ حيثُ يُقصَدُ الحصْرُ في مُوالِيها، ما هو المرادُ من التركيبِ من قَصْرِ ما بعدَ مدخولِها على مدخولِها، وعدمِ جوازِ ذلكَ التقديمِ حيثُ قُصِدَ الحصْرُ فيما والى إلَّا فقطْ لا بقِلَّةٍ ولا بغيرِها بِناءً على جوازِ أن يُستَثْنى بها شيئَانِ بلا عطْفٍ؛ لأنَّ التقديمَ يُوجِبُ توهُّمَ أنَّ المرادَ القصْرُ في مواليها وفيما بعدَه، والمقصودُ القصْرُ في مواليها فقطْ، فلا يَجوزُ على هذا ولو بقِلِّةٍ أن يُقالَ في: ما ضرَبَ زيدٌ إلَّا عمْرًا، ما ضربَ إلَّا عمرًا زيدٌ، برفْعِ زيدٍ ونصْبِ عمرٍو؛ لأنَّه لمَّا جَوَّزْنا استثناءَ شيئَيْنِ يُتوَهَّمُ أنَّ المعنى: ما ضَرَبَ أحدًا أحدٌ إلَّا عمْرًا ضرَبَه زيدٌ، وبعضُهم جوَّزَ استثناءَ شيئَيْنِ بها إذا صرَّحَ بالمستثْنَى منه، كأن يُقالَ: ما ضرَبَ أحدٌ أحدًا إلَّا زيدٌ عمْرًا، فإلَّا زيدٌ مستَثْنًى من الأحدِ الأوَّلِ، وعمْرًا مستَثْنًى من الأحَدِ الثاني، ويَنبنِي على جوازِ استثناءِ شيئَيْنِ بها بلا عطْفٍ وعدَمِ جوازِه قولُ أبي البقاءِ: إنَّ ملعونِينَ في قولِه تعالى: {لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ} حالٌ من فاعلِ يُجاورونَكَ، وقولُ غيرِه: إنَّ مَلْعُونينَ مفعولٌ لمحذوفٍ، أي: أذُمُّ {مَلْعُونِينَ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا أُخِذُوا} إلخ، لا حالَ من فاعلِ يُجاورونكَ، وإلَّا لزِمَ استثناءُ شيئَيْنِ بأداةٍ واحدةٍ من غيرِ عطْفٍ، وكذا يُقالُ في بادئِ الرأيِ في قولِه تعالى: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} : إنَّه منصوبٌ (باتَّبَعَكَ) على الأوَّلِ، وبمحذوفٍ، أي: اتَّبَعُوكَ في بادِيَ الرأيِ على الثاني، فتَنَبَّهْ.