فهرس الكتاب
(البابُ الخامسُ - في الوصْلِ والفصْلِ)
الوصْلُ عطْفُ [1] جملةٍ على أخرى، والفصْلُ تَرْكُهُ، والكلامُ هنا قَاصِرٌ على العطْفِ بالواوِ [2] ؛ لأنَّ العطفَ بغيرِها لا يَقعُ فيه اشتباهٌ [3] ، ولكلٍّ من الوصْلِ بها والفصْلِ مواضِعُ.
(1) (قولُه: عطْفُ إلخ) ، ليس هذا تعريفًا لحقيقةِ الوصْلِ والفصْلِ مُطلَقًا، بل لنوعٍ من الوصْلِ والفصْلِ، وهو الواقعُ في الجُمَلِ، فلا يَرِدُ أنَّهما يَخْتَصَّانِ بالجُمَلِ، بل كذلكَ يَجرِيَانِ في المفرَدَاتِ، فإن كانَ بينَ المفرَدَيْنِ جامعٌ وصَلْتَهُما بالواوِ كما إذا كان بينَهما تقابُلٌ، نحوَ قولِه تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} ، فالوصْلُ لدفْعِ توهُّمِ عدمِ اجتماعِهما، ونفيِ التناقضِ أو شِبهِ تماثُلٍ، كما في قولِه:
ثلاثةٌ تُشرِقُ الدُّنيا ببهجتِها ... * ... شمسُ الضُّحى وأبو إسحاقَ والقمرُ
وإن لم يكُن بينَهما جامعٌ فصلتَهما كما في قولِه تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَّبِّرُ} ، نَعَمْ لا يَجبُ العطْفُ في المفرَداتِ متى قُصِدَ التشريكُ، بل قد يُستحْسَنُ فقطْ عندَ إيهامِ التضادِّ كما في المثالِ الأوَّلِ، وأمَّا الجُمَلُ فمتى قُصِدَ التشريكُ وَجَبَ العطْفُ، والفَرْقُ أنَّ الصفاتِ المفرَدةَ كالشيءِ الواحدِ من الموصوفِ لعدمِ استقلالِها، بخِلافِ الجُمَلِ؛ فإنَّها لاستقلالِها لا يَدلُّ على تَعلُّقِها بما قبلَها إلَّا العطفُ، فَافْهَمْ. دسوقيٌّ.
(2) (68) (قولُه: قاصِرٌ على العطْفِ بالواوِ) ، أي: في الجُمَلِ التي لا موضِعَ لها من الإعرابِ؛ لأنَّ العطْفَ على ما لها موضعٌ من الإعرابِ لا يَقعُ فيه اشتباهٌ؛ إذ لا يكونُ للجملةِ موضعٌ من الإعرابِ، إلَّا إذا كانت واقعةً موقعَ مفردٍ فيَجري العطْفُ عليها مَجرَى العطْفِ عليه في ظهورِ المشتَرَكِ فيه، وهو الأمْرُ الموجِبُ للإعرابِ، فيَصِحُّ أن يُقالَ: اشتَرَكَ الجُمْلَتَانِ أو الْمُفْرَدانِ في الخبريَّةِ أو في الحالِّيَّةِ مَثلًا، وحيثُ ظهَرَ المشترَكُ فيه حَصَلَ للعطْفِ بالواوِ فائدةٌ، ولا يُحتاجُ فيها إلَّا إلى جامعٍ واحدٍ بينَ طَرَفَيْ كلٍّ من الأُولى والثانيةِ كالمُفْرَدَيْنِ، عقليٍّ أو وَهْمِيٍّ أو خياليٍّ، بخلافِ التي لا مَحلَّ لها من الإعرابِ؛ فإنَّ العطْفَ عليها بالواوِ، كما يَفتقِرُ إلى جامعٍ عقليٍّ أو وَهْمِيٍّ أو خياليٍّ بينَ طرَفَيْ كلٍّ من الأُولى والثانيةِ، كذلكَ يَفتقِرُ إلى جامعٍ آخَرَ بينَ نِسبةِ الأُولى ونسبةِ الثانيةِ؛ لأنَّ المقصودَ من العطْفِ في هذه الحالةِ النصُّ على اجتماعِ الجملتَيْنِ في الواقعِ، ولا يَحسُنُ ذلكَ إلَّا إذا كانَ بينَ الجملتَيْنِ جامعٌ مخصوصٌ، واستخراجُ هذا الجامعِ يَتوقَّفُ على معرفةِ هل بينَ الجملتَيْنِ كمالُ الانقطاعِ مع الإيهامِ أو بدونِه، أو كمالُ الاتِّصالِ، أو شِبهُ كلٍّ منهما، أو التوسُّطُ بينَ الكمالَيْنِ، فإذا عَرَفَ أنَّ بينَ الجملتَيْنِ التوسُّطَ بينَ الكمالَيْن، أو كمالَ الانقطاعِ مع الإيهامِ، وَصَلَ لوجودِ الجامعِ بينَهما، وإلَّا فلا؛ ولهذا خَصَّصوا التفصيلَ المذكورَ بالجملتَيْنِ اللتَيْنِ لا مَحَلَّ لهما، فلو كان ذلكَ التفصيلُ جاريًا فيما لهما مَحلٌّ من الإعرابِ لم يكنْ وجهٌ لتخصيصِه بما لا مَحلَّ لهما من الإعرابِ، فإذا قُلْتَ: زيدٌ يَكتبُ ويُشْعِرُ، أو زيدٌ يُعْطِي ويَمنَعُ، أو مَرَرْتُ برجلٍ خُلُقُه حسَنٌ وخُلُقُه قبيحٌ، كُنْتَ قد أشْرَكْتَ الثانيةَ في هذه الأمثلةِ في حُكْمِ الأولى، وهو الخبريَّةُ في المثالِ الأوَّلِ والثاني، والوصفيَّةُ في الثالثِ، ولم تَحتَجْ إلَّا إلى جامعٍ واحدٍ بينَ كلٍّ من المسنَدِ إليها والمسنَدَيْنِ في كلٍّ من الجملتَيْنِ في المُثُلِ المذكورةِ، وهو التناسبُ بينَ المسنَدَيْنِ في المثالِ الأوَّلِ؛ لأنَّ المرادَ بالكتابةِ هنا إنشاءُ النثْرِ، كما أنَّ الشعْرَ إنشاءُ النظْمِ، والتَّضادُّ بينَهما في كلٍّ من المثالِ الثاني والثالثِ، والاتِّحادُ بينَ المُسْنَدِ إليهما في كلٍّ من الأمثلةِ المذكورةِ، وليس في معرفةِ هذا الجامعِ اشتباهٌ، قالَ الشيخُ عبدُ القاهرِ: ونظائرُ ذلكَ تَكثُرُ، والأمرُ فيها يَسْهُلُ، وبالجملةِ فكَوْنُ الجملةِ لها مَحَلٌّ ممَّا يُقَرِّبُ الجامعَ، بخلافِ ما إذا لم يكن لها مَحَلٌّ. نعمْ، قالَ في عروسِ الأفراحِ: ليس ما ذُكِرَ على إطلاقِه؛ فرُبَّما كانت الجملةُ لا مَحلَّ لها والجامعُ أقربُ منه، حيثُ لها مَحلٌّ كالجملةِ الموصولِ بها إذا عُطِفَ عليها، كقولِكَ: رأيتُ الذي يُعطِي ويَمنعُ؛ فإنَّها وإن كانت لا مَحلَّ لها إلَّا أنَّ استدعاءَ الموصولِ لتمامِ صِلتِه أتَمُّ من استدعاءِ الإعرابِ للجملةِ المعطوفةِ.
(3) (وقولُه: لا يَقَعُ فيه اشتباهٌ) ، أي: لأنَّ غيرَها يفيدُ مع الاشتراكِ معانيَ، مثلَ الترتيبِ بلا تَراخٍ للفاءِ، والترتيبِ مع التراخِي لثُمَّ، والشكِّ والإبهامِ والتخييرِ والتقسيمِ والإباحةِ لأَوْ وأمَّا مع الواوِ. وتلكَ المعاني تَكفِي في حسْنِ الكلامِ وانتظامِه، فلا يُطلَبُ فيه شيءٌ آخَرُ بشهادةِ الاستعمالِ والذوْقِ بخلافِ الواوِ؛ فإنَّها لا تُفيدُ أكثرَ من الاشتراكِ بينَ شيئَيْنِ، ولا يُتصَوَّرُ الاشتراكُ بينَهما حتَّى يكونَ هناك معنًى يَقَعُ ذلكَ الاشتراكُ فيه، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ، ولم يكن في قولِنا: زيدٌ قائمٌ وعمرٌو قاعدٌ، معنًى تَزعُمُ أنَّ الواوَ أَشرَكَتْ فيه بينَ هاتيْنِ الجملتيْنِ كانت الدقَّةُ وثَبَتَ الغموضُ. وحاصلُ المقالِ في فصْلِ الجملتيْنِ ووصلِهما أنَّ الأُولى حيثُ كان لها مَحلٌّ من الإعرابِ فإن قَصَدَ تشريكَ الثانيةِ لها في حكْمِه وَجَبَ عطفُها عليها؛ ليَدُلَّ العطْفُ على الاشتراكِ المذكورِ، لكن إنْ كان بعاطفٍ سِوى الواوِ بأن كان معنى ذلكَ العاطفِ متَحَقِّقًا ومقصودًا حَسُنَ العطْفُ، وإن لم تُوجدْ جهةٌ جامعةٌ، وإن كان بالواوِ قُبِلَ إن كان بينَ كلٍّ من طرَفَي الجملتيْنِ جهةٌ جامعةٌ عقليَّةٌ، وهي الاتِّحادُ، أو التضايُفُ، أو التماثُلُ في نحوِ: زيدٌ يَكتبُ وعمرٌو يُشْعِرُ، حيثُ شارَكَ عمرٌو زيدًا في صفةِ الكرَمِ مَثلًا. أو وهميَّةٌ وهي شِبهُ التماثُلِ، أو شِبهُ التَّضادِّ، أو التَّضادُّ في نحوِ: زيدٌ يُعطِي ويَمنعُ. أو خياليَّةٌ كقولِك للكاتبِ: زيدٌ بَرَى القلمَ وحَبَّرَ الدواةَ. ولم يُحْتَجْ هنا إلى جهةٍ جامعةٍ أخرى بينَ نِسْبَتَي الجملتيْنِ كما احْتِيجَ لذلكَ في العطفِ بالواوِ على ما لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ حتَّى يُحتاجَ هنا إلى معرفةِ الأحوالِ الستَّةِ الآتيةِ كما احْتِيجَ لها هناكَ؛ وذلكَ لأنَّ الجملتيْنِ اللتيْنِ لهما مَحَلٌّ من الإعرابِ في معنى المفرَدِ، فلا تُراعَى فيهما النِّسبةُ، ألا تَرَى أنَّه قد صَحَّ العطْفُ في المحكيَّتيْنِ مع وجودِ كمالِ الانقطاعِ فيهما باعتبارِ أصلِهما، كما في قولِه تعالى: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} . وإن لم يُقْصَدْ تشريكُ الثانيةِ للأولى في حُكْمِ إعرابِها وَجَبَ فصْلُ الثانيةِ عنها؛ لئلَّا يَلزَمُ من العطْفِ التشريكُ الذي ليس بمقصودٍ، نحوَ: {وَإِذَا خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} ، لم يَعطِف {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} ، على {إِنَّا مَعَكُمْ} ؛ لأنَّه ليسَ من مقولِهم. وأمَّا إذا لم يكُن للأُولى مَحلٌّ من الإعرابِ فإنَّه يَتحقَّقُ لها مع الثانيةِ أحوالٌ ستَّةٌ: الأوَّلُ كمالُ الانقطاعِ بلا إيهامٍ، الثاني كمالُ الاتِّصالِ، الثالثُ شِبهُ كمالِ الانقطاعِ، الرابعُ شِبهُ كمالِ الاتِّصالِ، الخامسُ كمالُ الانقطاعِ معَ الإيهامِ، السادسُ التوسُّطُ بينَ الكمالَيْنِ. فإن لم يُقْصَدْ ربطُ الثانيةِ بالأُولى بأن لا يُرادُ اجتماعُهما في الحصولِ الخارجيِّ، كما إذا أُخْبِرَ بجملةٍ ثم تُرِكَتْ في زَوَايا الإهمالِ فأُخْبِرَ بأخرى كقولِكَ: زيدٌ قائمٌ، ثم أضْرَبْتَ عنها فقُلتَ: بل عمرٌو قاعدٌ، فالفصْلُ متَعَيِّنٌ في الأحوالِ الستَّةِ. وإن قُصِدَ ربطُها بها؛ فإنْ كان الربْطُ على معنى عاطِفٍ سوى الواوِ بأن كان معنى ذلكَ العاطفِ متَحقِّقًا ومقصودًا وَجَبَ العطْفُ بذلكَ الغَيْرِ في الأحوالِ الستَّةِ. وإن كان الربْطُ على معنى عاطفٍ هو الواوُ فإن كان للأُولى قيْدٌ لم يُقْصَدْ إعطاؤه للثانيةِ فالفصْل متعيِّنٌ في الأحوالِ الستَّةِ. وإن لم يكن للأُولى قيْدٌ أصلًا أو لها قَيْدٌ وقُصِدَ إعطاؤُهُ للثانيةِ فالفصْلُ متعيِّنٌ إن كان بينَ الجملتَيْنِ كمالُ الانقطاعِ بلا إيهامٍ، أو كمالُ الاتِّصالِ، أو شبهُ أحدِهما؛ لأنَّ الوصْلَ يَقتضي مغايَرةً ومناسَبةً، فباقتضائِه المغايَرةَ لا يُناسِبُ كمالَ الاتِّصالِ ولا شِبهَهُ، وباقتضائِه المناسَبةَ لا يُناسِبُ كمالَ الانقطاعِ ولا شِبْهَهُ. والوصْلُ متعيِّنٌ إن كان بينَ الجملتيْنِ كمالُ الانقطاعِ مع الإيهامِ، أو التوسُّطُ بينَ الكماليْنِ؛ لوجودِ الدَّاعي إلى الوصْلِ، وهو رفْعُ الإيهامِ في كمالِ الانقطاعِ، وعَدُّ المانعِ الذي هو أحدُ الأربعةِ السابقةِ في التوسُّطِ بينَ الكماليْنِ. وصعوبةُ هذا البابِ ليست من جهةِ تعدُّدِ هذه الصُّوَرِ، بل من جهةِ استخراجِ الجهةِ الجامعةِ في الحالتيْنِ الأخيرتيْنِ المتَعَيِّنِ فيهما الوصْلُ، أعني كمالَ الانقطاعِ مع الإيهامِ والتوسُّطَ بينَ الكماليْنِ.