فهرس الكتاب
(مواضعُ الوصْلِ بالواوِ)
يَجِبُ الوصْلُ في موضِعَيْن [1] :
(الأوَّلُ) : إذا اتَّفَقَت الجملتانِ خَبَرًا أو إنشاءً [2] وكان بينَهما جهةٌ جامعةٌ، أي مناسَبةٌ تامَّةٌ، ولم يكن مانِعٌ من العطْفِ [3] ، نحوَ:
{إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} ، ونحوَ: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} .
(1) (قولُه: يَجبُ الوصْلُ في موضعيْنِ) ، في عَروسِ الأفراحِ حيثُ قُلْنَا في هذا البابِ: يَجبُ الوصْلُ، أو قُلْنَا: يَجبُ الفصْلُ، نُريدُ به الوجوبَ بحسْبِ البلاغةِ وتطبيقِ الكلامِ على مُقتضى الحالِ، ولا نعني الوجوبَ بحسْبِ اللغةِ، إلَّا في مواضعَ يسيرةٍ نُنَبِّهُ عليها في مواضعِها إن شاءَ اللَّهُ تعالى ا. هـ. ثمَّ قالَ بعدُ: واعلَمْ أنَّ الخبرَ والإنشاءَ المتمحِّضَيْنِ لا يُعطَفُ أحدُهما على الآخَرِ، فيَجبُ الفصْلُ بلاغةً. وأمَّا لغةً فاختلَفوا فيه، فالجمهورُ على أنَّه لا يَجوزُ، واختارَه ابنُ عُصفورٍ في شرْحِ الإيضاحِ، وابنُ مالكٍ في بابِ المفعولِ معه في شرْحِ التسهيلِ، وجَوَّزَه الصفَّارُ وطائفةٌ، ونَقلَ الشيخُ أبو حيَّانَ عن سِيبَوَيْهِ جوازَ عطْفِ المختلِفيْنِ بالاستفهامِ والخبرِ، مثلَ: هذا زيدٌ، ومَن عمرٌو؟ وقد تَكلَّفوا على ذلكَ في قولِه تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} ، وحاصِلُهُ أَنَّ أَهْلَ هَذَا الْفَنِّ مُتَّفِقُونَ على منْعِه، وظاهرُ كلامِ النُّحاةِ جوازُه، ولا خلافَ بينَ الفريقيْنِ؛ لأنَّه عندَ من جوَّزَه يَجوزُ لغةً ولا يَجوزُ بلاغةً ا. هـ. وسيأتي ما فيه.
(2) (قولُه: إذا اتَّفَقت الجملتانِ خبرًا أو إنشاءً) ، أي: معنًى ولفظًا، كما في مِثالَي الكتابِ، وذلكَ أنَّ الجملتيْنِ في نحوِ {إِنَّ الْأَبْرَارَ} إلخ خبريَّتانِ لفظًا ومعنًى، والجامعُ بينَهما التضادُّ بينَ المُسْنَديْنِ والمُسْنَدِ إليهما؛ لأنَّ الأبرارَ ضدُّ الفجَّارِ، والكونَ في النعيمِ ضدُّ الكونِ في الجحيمِ، والجملتانِ في نحوِ: فَلْيَضْحَكُوا إلخ إنشائيَّتانِ لفظًا ومعنًى، والجامعُ الاتِّحادُ بينَ المُسْنَدِ إليهما، وهي الواوُ التي هي ضميرُ المخاطَبيْنِ، وشِبهُ التضادِّ بينَ المُسْنَدَيْنِ، أو معنًى فقطْ بأن كانتا إنشائيَّتيْنِ معنًى ولفظُهما خبرٌ، نحوَ: الحمدُ للَّهِ والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللَّهِ، أو لفظُ الأُولى خبرٌ ولفظُ الثانيةِ إنشاءٌ، أو بالعكسِ، أو كانتا خبريَّتيْنِ معنًى ولفظُهما إنشاءٌ، نحوَ: ألم آمُرْكَ بالتقوى، وألم آمُرْكَ بترْكِ الظلْمِ؟ أو لفظُ الأُولى إنشاءٌ ولفظُ الثانيةِ خبرٌ، أو بالعكسِ. ويُسَمَّى الاتِّفاقُ المذكورُ توسُّطًا بينَ الكماليْنِ، وإنما تَعَيَّنَ الوصْلُ بالواوِ هنا لعدَمِ المانِعِ الذي هو وجودُ أحدِ الكمالَيْنِ مع عدمِ الإيهامِ في كمالِ الانقطاعِ، ووجودِ شِبهِ أحدِهما. وقولُه: وكان بينَهما، أيْ: بينَ طرَفَيْ كلٍّ من الجملتيْنِ جهةٌ جامعةٌ، إمَّا عقليَّةٌ، وهي ثلاثةُ أقسامٍ: أحدُهَا الاتِّحادُ في التصوُّرُ، أيْ في مُتصَوَّرٍ من مُتصوَّراتِ الجملةِ، وذلكَ إذا كان المُسْنَدُ إليه في الجملةِ الثانيةِ هو عينُ المُسْنَدِ إليه في الجملةِ الأُولى، نحوَ: زيدٌ كاتبٌ وهو شاعرٌ. والثاني التماثُلُ، بمعنى الاشتراكِ في وصْفٍ له مزيدُ اختصاصٍ وارتباطٍ بالشيئيْنِ بحيثُ يُوجِبُ اجتماعَهما في المفكِّرةِ مع اشتراكِهما في الحقيقةِ، لا مجرَّدَ اشتراكِهما في الحقيقةِ، كما إذا كان بينَ زيدٍ وعمرٍو اشتراكٌ في الكرَمِ وقلْتَ: زيدٌ شاعرٌ وعمرٌو كاتبٌ. والثالثُ التضايُفُ، وهو كونُ الشيئيْنِ بحيثُ لا يُمكِنُ تعقُّلُ كلٍّ منهما إلَّا بالقياسِ إلى تعقُّلِ الآخَرِ، كالتضايُفِ الذي بينَ مفهومِ العلَّةِ، وهو كونُ الشيءِ سببًا، وبينَ مفهومِ المعلولِ، وهو كونُ الشيءِ مسبَّبًا عن ذلكَ الشيءِ، كأن يُقالَ: العِلَّةُ أصْلٌ أو موجودةٌ، والمعلولُ فرعٌ أو موجودٌ، أو بينَ مَاصَدَقَ العِلَّةِ وبينَ مَاصَدَقَ المعلولِ، باعتبارِ مفهومِ العِلَّةِ ومفهومِ المعلولِ، كأن يُقالَ: حركةُ الخاتَمِ موجودةٌ أو معلولةٌ، وحركةُ الإصبعِ موجودةٌ أو عِلَّةٌ، أو النارُ مُحرِقَةٌ والحطبُ مُحرِقٌ، وإمَّا وهميَّةٌ، وهي ثلاثةُ أقسامٍ أيضًا: أحدُها شِبهُ التماثُلِ، أي: الاتِّحادُ في النوعِ، وذلكَ بأن يكونَ بينَ الشيئيْنِ تقارُبٌ وتشابُهٌ، باعتبارٍ وتبايُنٌ باعتبارٍ آخَرَ، كلَوْنَيْنِ هما بياضٌ وصُفرةٌ، فيَصِحُّ العطْفُ في نحوِ: بياضُ الفِضَّةِ يُذهِبُ الغَمَّ، وصُفرةُ الذهَبِ تُذهِبُ الهَمَّ. والثاني التضادُّ، وهو التقابُلُ بينَ أمريْنِ وجوديَّيْنِ يَتعاقبانِ على مَحلٍّ واحدٍ، فمن المحسوساتِ السوادُ والبياضُ، فيُقالُ: ذَهَبَ السوادُ وجاءَ البياضُ، أو السوادُ لونٌ قبيحٌ، والبياضُ لونٌ حسَنٌ. ومن المعقولاتِ الإيمانُ والكفْرُ بِناءً على أنَّ الكُفْرَ إنكارُ شيءٍ ممَّا عُلِمَ مجيءُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ به بالضرورةِ، نحوَ: ذَهَبَ الكفْرُ وجاءَ الإيمانُ، أو الإيمانُ حسَنٌ والكفْرُ قبيحٌ، وكذا الذواتُ المتصِّفةُ بالمذكوراتِ فيُقالُ: الأسودُ ذَهَبَ والأبيضُ جاءَ، المؤمنُ حَضَرَ والكافرُ غابَ، ومنهُ: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} إلخ. والثالثُ شِبهُ التضادِّ، بأن لا يكونَ أحدُ الشيئيْنِ ضِدَّ الآخَرِ، ولا موصوفًا لضِدِّ ما وُصِفَ به الآخَرُ، ولكن يَستلزِمُ كلٌّ منهما معنًى يُنافي ما يَستلزِمُه الآخَرُ، وهو قِسْمَانِ: ما يكونُ في المحسوساتِ كالسماءِ والأرضِ، وما يكونُ في المحسوساتِ والمعقولاتِ كالأوَّلِ والثاني، فيُقالُ: السماءُ مرفوعةٌ لنا والأرضُ موضوعةٌ لنا، والأوَّلُ سابقٌ والثاني لاحِقٌ. ومن الجمْعِ بشِبْهِ التضادِّ: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} ، فافْهَمْ. وإمَّا خياليَّةٌ، بأن يكونَ بينَ الشيئيْنِ تَقارُنٌ في الخيالِ لأجْلِ أسبابٍ مؤدِّيةٍ إلى ذلكَ التقارُنِ وتلكَ الأسبابِ، وإن كان مرجعُها إلى مخالَطَةِ ذواتِ تلك الصوَرِ الحسِّيَّةِ المقترِنَةِ في الخيالِ، بمعنى أنَّ تلكَ المخالَطةَ مآلُ تلكَ الأسبابِ ومَنشَؤها، إلَّا أنَّ أسبابَ تلكَ المخالَطةِ مختلِفةٌ، فيُمكِنُ وجودُها عندَ شخصٍ دونَ آخَرَ. مثلًا إذا كان المخاطَبُ صنعتُه الكتابةُ؛ فإنَّها تَقتضي مخالَطتَه لآلاتِها من قلَمٍ ودواةٍ ومِدادٍ وقِرطاسٍ، فتَقترِنُ صوَرُ المذكوراتِ بخيالِه، فيَصِحُّ أن يَعطِفَ بعضَها على بعضٍ فيقولَ: القلَمُ عندي والدواةُ عندَكَ. وإذا كان من أهلِ التعَيُّشِ بالإبلِ مَثلًا أَوْجَبَ له ذلكَ مُخالَطتَها وأمورَها من رَعْيِها في خَصْبٍ ناشئٍ عن المطرِ النازلِ من السماءِ، ومن الإيواءِ بها إلى مَحَلِّ الرعْيِ والحفظِ كالجبالِ، ثم إلى الانتقالِ بها إلى أرضٍ دونَ أُخْرى طلَبًا للكلإِ، فتَقترِنُ صُوَرُ الإبلِ والسماءِ والجبالِ والأرضِ في خيالِ البَدَوِيِّ بحيثُ لو فُتِّشَ فيه لوُجِدَتْ صوَرُ هذه الأشياءِ حاضرةً فيه على الترتيبِ المذكورِ، فتَجتمِعُ كذلكَ عندَ المفكِّرةِ كما في قولِه تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إلى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} ، فإذا عُكِسَ ترتيبُها كان وقْعُ العطْفِ في غيرِ الْقُرْآنِ بذكْرِ الأرضِ أوَّلًا، ثم الجبالِ، ثم السماءِ، ثم الإبلِ، لم يَحسُنْ؛ لأنَّ صوَرَ المذكوراتِ لم تَقتَرِنْ في خيالِ أصحابِها على هذا الوجهِ فلم تَتَّضِحْ فيها كذلكَ. كما لا تَقْتَرِنُ صُوَرُها لا مع الترتيبِ المذكورِ، ولا مع عدَمِه في خيالِ الحضَرِيِّ، فإذا تَلا الآيةَ المذكورةَ قبلَ الوقوفِ على ما ذكَرْنَا ظَنَّ النَّسَقَ لجهلِه مَعيبًا، والمعتَبَرُ خيالُ السامعِ؛ لأنَّه الذي يُراعَى حالُه في غالبِ الخطابِ، لا خيالُ المتكلِّمِ. وبالجملةِ فالجامعُ العقليُّ عبارةٌ عن أمْرٍ، وهو الاتِّحادُ والتماثُلُ والتضايُفُ، بسببِه تَجمَعُ القوَّةُ العاقلةُ بيَن الشيئيْنِ في المفكِّرَةِ، فتتَصَرَّفُ فيهما المفكِّرَةُ حينئذٍ بما تَتصرَّفُ به، سواءٌ كان ذلكَ الأمْرُ مدرَكًا بالعقْلِ لكونِه كلِّيًّا أو مضافًا لكُلِّيٍّ، أو مُدْرَكًا بالوهْمِ بأن كان جُزئيًّا لكونِه مضافًا لجزئيٍّ، وإنما سُمِّيَ جمْعُ الاتِّحادِ والتماثيلِ والتضايفِ عقليًّا؛ لأنَّ العقلَ يُدرِكُ الأمورَ على حقائقِها ويُثبتُها على مُقتضاها، والجمْعُ بهذه محقَّقٌ في نفسِ الأمرِ لا يُبطلُه التأمُّلُ فنُسِبَ للعقلِ. والجامعُ الوهميُّ عبارةٌ عن أمْرٍ، وهو شِبهُ التماثلِ وشِبهُ التضادِّ والتضادُّ، بِسببِه يتحيَّلُ الوهمُ في اجتماعِ الشيئيْنِ عندَ المفكِّرةِ، وذلكَ بأن يُصَوِّرَ الوهْمُ ذلكَ الأمرَ بصورةٍ تصيرُ سببًا لاجتماعِهما، وليس في الواقعِ سببًا له، سواءٌ كان ذلكَ الأمرُ يُدركُه الوهمُ كشبِه التماثُلِ وشبْهِ التضادِّ وتضادِّ الجزئيَّاتِ، أو لا يُدركُه الوهْمُ ككُلِّيَّاتِها. والجامعُ الخياليُّ عبارةٌ عن أمرٍ، وهو التقارُنُ في الخيالِ عندَ التذكُّرِ والإحضارُ، بسببِه يَقتضي الخيالَ، أي يَقتضي الحسُّ المشترَكُ الذي خَزانتُه الخيالُ اجتماعَ الشيئيْنِ في المفكِّرةِ، ولو كان ذلكَ الأمرُ عقليًّا أو وهميًّا في أصلِه، فافهَمْ. وقولُه: (أيْ مناسبةٌ تامَّةٌ) ، أي: ظاهرةٌ قريبةٌ، لا مطلَقَ مناسبةٍ؛ فلذا عِيبَ على أبي تَمَّامٍ قولُه:
لا والذي هو عالِمٌ أنَّ النَّوَى ... * ... صَبْرٌ وأنَّ أبا الحُسَيْنِ كريمُ
وذلكَ أنَّ كرَمَ أبي الحسينِ ومرارةَ النَّوَى، وإن كان بينَهما مناسَبةٌ خفيَّةٌ بعيدةٌ، وهي إمَّا الجامعُ الخياليُّ لتقارنِهما في خيالِ أبي تمَّامٍ، وإمَّا الوهمِيُّ وهو ما بينَهما من شِبهِ التضادِّ؛ لأنَّ مرارةَ النَّوَى كالضِّدِّ لحلاوةِ الكرَمِ؛ لأنَّ كرَمَ أبي الحسينِ حلْوٌ ويُدفَعُ بسببِه ألَمُ احتياجِ السائلِ، والصبرُ مُرٌّ ويُدفَعُ به بعضُ الآلامِ. وإمَّا عقليٌّ، وهو ما بينَهما من التماثُلِ؛ لأنَّ كلًّا دواءٌ، فالصبرُ دواءُ العليلِ، والكرَمُ دواءُ الفقيرِ، لكن لمَّا كان المعتَبرُ إنَّما هو المناسَبةُ الظاهرةُ القريبةُ، وهي غيرُ موجودةٍ هنا، كان العطْفُ غيرَ مقبولٍ، سواءٌ جُعِلَ عطْفَ مفرَدٍ كما هو الظاهرُ من أن تُؤَوَّلَ مع خبرِها بمفرَدٍ مضافٍ لاسمِها، أو عطْفِ جملةٍ على جملةٍ باعتبارِ وقوعِه موقِعَ مفعولَيْ عالِمٍ؛ لأنَّ وجودَ الجامعِ شرطٌ في الصورتيْنِ.
(3) (72) (قولُه: ولم يكنْ مانعٌ من العطْفِ) ، أي: كاقتضائِه خلافَ المرادِ ممَّا سيَتَّضِحُ لكَ في قولِه تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} الآيةَ.