الصفحة 49 من 86

(الثانيةُ) : إذا أَوْهَمَ ترْكُ العطْفِ [1] خلافَ المقصودِ، كما إذا قلتَ: لا، وشَفاه اللَّهُ. جوابًا لمن يَسألُكَ: هل بَرِئَ عليٌّ من المَرَضِ؟ فتَرْكُ الواوِ يُوهِمُ الدعاءَ عليه، وغَرَضُكَ الدعاءُ له.

(مواضعُ الفصْلِ)

يَجِبُ الفصْلُ في خمسةِ مواضعَ:

(الأوَّلُ) : أن يكونَ بينَ الجملتينِ اتِّحادٌ تامٌّ [2] ، بأن تكونَ الثانيةُ بَدَلًا من الأولى [3] ، نحوَ: {أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ [4] أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ} ، أو بأن تكونَ [5] بيانًا لها، نحوَ: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ [6] قالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ} ، أو بأن تكونَ [7] مؤكِّدَةً لها، نحوَ: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} .

(1) (قولُه: إذا أَوْهَمَ ترْكُ العطْفِ إلخ) ، أي: في كمالِ الانقطاعِ فقطْ، لما ذكَرَهُ العلَّامَةُ عبدُ الحكيمِ مِن تعيُّنِ الفصْلِ في كمالِ الاتِّصالِ وإن كان فيه إيهامُ خلافِ المقصودِ، مثلَ إذا سُئِلْتَ: هل تَشربُ خَمْرًا؟ فقلتَ: لا، تَرْكَتُ شُربَه، تُريدُ تأكيدَ النفيِ السابقِ بقولِكَ: تركْتُ شربَه، لا تُعَلِّقُ النفيَ بالترْكِ، ومثلَ قولِكَ أيضًا لمَن قالَ: ما مُدِحْتُ؟ لا، مُدِحْتَ. فإنَّ لا لِنَفْيِ نفيِ المدْحِ، فتُفيدُ إثباتَه، فتكونُ جملةُ مُدِحْتَ تأكيدًا للنفْيِ السابقِ، فلو لم يُؤتَ بالواوِ لتُوُهِّمَ تعلُّقُ النفيِ بالمدْحِ، وأنَّ المرادَ الدعاءُ بنفيِ المدْحِ، بمعنى لا جُعِلْتَ ممدوحًا، مع أنَّ الغرَضَ إثباتُه؛ وذلكَ لأنَّه في كمالِ الاتِّصالِ قد انتَفَى مصحِّحُ العطفِ وهو المغايَرةُ، ويُمكِنُ دفعُ الإيهامِ بطريقٍ آخَرَ غيرِ العطفِ بأن يُقالَ في: لا، تَرَكْتُ شُربَه، مثلًا: لا، قد تَرَكْتُ شُربَه، بخلافِ كمالِ الانقطاعِ؛ فإنَّ المصحِّحِ للعطفِ وهو المغايَرةُ متحقِّقٌ فيه، والتبايُنُ بينَهما المنافِي لكونِ العطْفِ مقبولًا بالواوِ مقبولٌ لدفْعِ الإيهامِ ا. هـ. وقيلَ: الوجهُ في كمالِ الاتِّصالِ مع الإيهامِ العطْفُ مثلَ كمالِ الانقطاعِ مع الإيهامِ، وأنَّ مواضِعَ الوصلِ ثلاثةٌ: كمالُ الانقطاعِ مع الإيهامِ، وكمالُ الاتِّصالِ كذلكَ، والتوسُّطُ بينَ الكمالَيْنِ، وليس بشيءٍ، وإنَّما تَعيَّنَ الوصلُ بالواوِ هنا لوجودِ الدَّاعي إلى الوصْلِ وهو رفْعُ الإيهامِ.

(2) (قولُه: أن يكونَ بينَ الجملتيْنِ اتِّحادٌ تامٌّ) ، أي: بأن تكونَ الثانيةُ بدَلًا أو بيانًا أو توكيدًا معنويًّا أو لفظيًّا من الأُولى، وأمَّا النعتُ فلمَّا لم يَتميَّزْ عن عطْفِ البيانِ في المفرداتِ إلَّا بأنَّه يَدُلُّ على بعضِ أحوالِ المتبوعِ لا على ذاتِه، والبيانُ يدُلُّ على ذاتِ المتبوعِ لا على وصْفٍ فيه، والدَّلالةُ على بعضِ أحوالِ المتبوعِ ممَّا لا تَحقُّقَ له في الجمَلِ؛ لأنَّ الجملةَ إنَّما تدُلُّ على النِّسبةِ، ولا يَتأتَّى أن تكونَ نسبةٌ في جملةٍ دالَّةً على وصْفِ شيءٍ في جملةٍ أخرى، لم تَنْزِل الجملةُ الثانيةُ من الأُولَى منزِلةَ النعْتِ من المنعوتِ، وقد تكونُ النِّسبةُ في جملةٍ موضِّحَةٍ لنسبةِ جملةٍ أخرى؛ فلِذا نزَلَت الجملةُ الثانيةُ من الأُولى منزِلةَ عطْفِ البيانِ من المبَيَّنِ، والاتِّحادُ التامُّ يَمنَعُ من العطفِ بالواوِ ولا يَمنَعُ من العطفِ بغيرِ الواوِ كما هو المفهومُ من كلامِ صاحبِ التلخيصِ، ومنَعَه من العطْفِ بها؛ لأنَّه كعَطْفِ الشيءِ على نفسِه لاقتضائِه شدَّةَ المناسَبةِ بينَ الجملتيْنِ، ولا معنًى لعطْفِ الشيءِ على نفسِه ضرورةً لحصولِ التَّنافي بينَ ما يَقتضيه العطْفُ بالواوِ من المغايَرةِ وبينَ الاتِّحادِ التامِّ الواقعِ بينَ الجملتيْنِ. وكذا يُقالُ في شِبهِ كمالِ الاتِّصالِ؛ لأنَّ شِبهَ الشيءِ حُكْمُه حُكْمُ ذلكَ الشيءِ، لا يُقالُ: إنَّ هذا يَقتضي أنَّه لا يَصِحُّ، أو لا يَحْسُنُ العطْفُ التفسيريُّ بالواوِ في المفرَدِ، مع أنَّه شائعٌ حسَنٌ؛ لأنَّا نقولُ حُسْنُه ممنوعٌ عندَ البلغاءِ، وشُيوعُه إنَّما هو في عباراتِ المصنِّفِينِ، لا في كلامِ البُلغاءِ، أو يُقالُ: إنَّ الواوَ في العطْفِ التفسيريِّ غيرُ مستعمَلةٍ في العطْفِ، بل هي مستعارةٌ لمعنى حرْفِ التفسيرِ هذا. ودَعْوَى الاتِّحادِ التامِّ في غيرِ البَدَلِ مسلَّمَةٌ، وأمَّا في بدَلِ البعضِ والاشتمالِ فمبنيَّةٌ على قَوْلِ بعضِهم أنَّ البدَلَ والمبدَلَ منه كالشيءِ الواحدِ، وهو لا يَتمُّ مع كونِ المبدَلِ كالمعدومِ؛ إذ لا يَتَّحِدُ ما هو بمنزلةِ المعدومِ بالموجودِ، مع أنَّ البعضَ من حيثُ هو، والمشتَمِلَ عليه من حيثُ هو، لا اتِّحادَ بينَه وبينَ ما قبلَه، فالمناسِبُ أن يوجَّهَ منْعُ العطْفِ في بدَلِ البعضِ والاشتمالِ بأنَّ الْمُبْدَلَ منه في نيَّةِ الطرْحِ عن القصْدِ الذاتيِّ، فصارَ العطْفُ عليه كالعطْفِ على ما لم يُذْكَرْ، فافْهَمْ. وتَرَدَّدَ العلَّامَةُ الدُّسُوقِيُّ في كونِ كلٍّ من البَدَلِ والبيانِ والتأكيدِ المعنويِّ واللفظيِّ الواقعِ في الجُمَلِ اصطلاحيًّا من جُمْلةِ التوابِعِ، أو كالبدلِ والبيانِ والتأكيدِ المعنويِّ واللفظيِّ في حصولِ كلِّ ما يَحصُلُ من كلٍّ. قيلَ: وممَّا يَدُلُّ على الثاني قولُ صاحبِ التلخيصِ في كلٍّ منها: فوِزانُه وِزانٌ إلخ. وقد تُمنَعُ تلكَ الدلالةُ وكلامُ الفنريِّ رُبَّما كان مفيدًا للأوَّلِ حيثُ قالَ: ولا يقالُ: إنَّ كلَّ واحدٍ من التوكيدِ والبيانِ والبدَلِ من جُملةِ التوابعِ، والتابعُ هو الثاني المعرَبُ بإعرابِ سابقِه الحاصلِ أو المتجدَّدِ، وحينئذٍ فلا بُدَّ أن يكونَ للمتبوعِ إعرابٌ لفظيٌّ أو تقديريٌّ أو محلِّيٌّ، مع أنَّ الكلامَ في الجمَلِ التي لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ لأنَّا نقولُ: المرادُ من قولِهم هو الثاني المعرَبُ بإعرابِ سابقِه كونُه كذلكَ فيما لسابقِه إعرابٌ، أو المرادُ بإعرابِ سابقِه نفيًا أو إثباتًا، أو أنَّ هذا تعريفٌ للتابِعِ بالنظَرِ للغالبِ وهو ما إذا كان للسابقِ إعرابٌ ا. هـ. كلامُه. وعليه فلا مانِعَ من أن يُقالَ: إنَّ ما كان بالألفاظِ المعلومةِ تأكيدٌ معنويٌ بالنِّسبةِ للمفرداتِ، وأمَّا التوكيدُ المعنويُّ بالنِّسبةِ للجُمَلِ فهو الجملةُ الثانيةُ من المتخالِفتيْنِ مفهومًا بحيثُ يَلزَمُ من تقرُّرِ معنى إحداهما تقرُّرُ معنى الأخرى، مثلَ: {لَا رَيْبَ فِيهِ} من قولِه تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} ، تأمَّلْ. دسوقيٌّ.

(3) (75) (قولُه: بأن تكونَ الثانيةُ بدَلًا من الأُولى) ، أي: بدَلَ بعضٍ نحوَ: {أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ} إلخ؛ فإنَّ المرادَ من هذا الخطابِ التنبيهُ على نِعَمِ اللَّهِ تعالى، والمقامُ يَقتضي اعتناءً واهتمامًا بشأنِ ذلكَ التنبيهِ؛ لكونِه مطلوبًا في نفسِه؛ لأنَّه تذكيرٌ للنِّعَمِ لتُشكرَ، وهو ذريعةٌ لغيرِه كالإيمانِ والعملِ بالطاعةِ، وقولُه: {أمدَّكُم بأنعامٍ وبنينَ} أوفى بتأديةِ التنبيهِ على النِّعَمِ لدَلالتِه عليها بالتفصيلِ، حيثُ سُمِّيَتْ بنوعِها من غيرِ أن يُحالَ تفصيلُها على علْمِ المخاطَبِينِ المعانِدِينِ لكُفْرِهم؛ إذ رُبَّما نَسبوا تلكَ النِّعمةَ إلى قدرتِهم جَهْلًا منهم، ويَنسِبون له تعالى نِعمًا أخرى كالإحياءِ والتصويرِ، أو بدلَ اشتمالٍ نحوَ: أَقُولُ لَهُ: ارحَلْ، لا تُقيمَنَّ عندَنا؛ فإنَّ المرادَ بقولِه: ارحَلْ، لازِمُ معناهُ، وهو كمالُ إظهارِ الكراهةِ لإقامةِ المتحدَّثِ عنهُ لديهم، وقولُه: لا تُقيمَنَّ عندَنا، يدُلُّ مع تأكيدِه بالنونِ على كمالِ إظهارِ الكراهةِ بالمطابَقةِ العُرفيَّةِ حيثُ يُقالُ: لا تَقُمْ عندي، ولا يقْصِدُ عُرْفًا كَفَّهُ عن الإقامةِ، بل مجرَّدَ إظهارِ كراهةِ حضورِه. ولمَّا كان من حيثُ كونِه دالًّا على هذا المقصودِ بالمطابَقةِ أوْفَى من دَلالةِ ارحلْ، عليه التزامًا، وهو مع ذلكَ ليس بعضَ مدلولِ ارحلْ، ولا نفسَه، بل هو مُلابِسُه للملازَمةِ بينَهما، صارَ بدلَ اشتمالٍ منه. والجملةُ الأُولى، وهي ارحلْ في البيتِ، وإن كان لها مَحلٌّ من الإعرابِ باعتبارِ الحكايةِ عمَّا يقولُه في زمانِ الاستقبالِ؛ لأنَّ أقولُ متسلِّطٌ عليها على المشهورِ، إلَّا أنَّها مستأنَفةٌ لا محلَّ لها باعتبارِ المحكيِّ، كما قالَ السيُّدُ، فافْهَمْ. وأمَّا بدَلُ الكلِّ، فقيلَ: لا يدخلُ في كمالِ الاتِّصالِ؛ إمَّا لأنَّه لا يَتحقَّقُ في الجُمَلِ مُطلَقًا لإغناءِ التوكيدِ فيها عنه؛ لأنَّ ما يُفرَّقُ به بينَ بدلِ الكلِّ والتوكيدِ اللفظيِّ في المفرَداتِ من وُجوبِ مغايَرةِ اللفظيْنِ، وكونِ التابعِ هو المقصودُ بالحكْمِ في البدَلِ بخلافِ التوكيدِ، لا يَتحقَّقُ في الجمَلِ؛ لأنَّ التوكيدَ اللفظيَّ في الجمَلِ فيه المغايَرةُ بينَ اللفظيْنِ دائمًا، وكلٌّ من الجمَلِ مستقِلٌّ، فيكونُ كلٌّ منها مقصودًا، وهو ما ذَهَبَ إليه صاحبُ التلخيصِ؛ وإمَّا لأنَّ كمالَ الاتِّصالِ إنَّما يُعتبَرُ فيما لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، وبَدَلُ الكلِّ إنَّما يَتحقَّقُ فيما له مَحَلٌّ من الإعرابِ؛ لأنَّه يتأتَّى فيه قصْدُ الثانيةِ بسببِ قصْدِ نقلِ نِسبةِ العاملِ إليها بخلافِ التي لا مَحلَّ لها من الإعرابِ؛ فإنَّه لا نِسبةَ فيها للعامِلِ حتَّى تُنقَلَ إلى مضمونِ الجملةِ الثانيةِ، وهو ما ذَهَبَ إليه السيِّدُ حيثُ قالَ في حاشيةِ الكشَّافِ: ثمَّ الظاهرُ أنَّ قولَه تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} بدَلُ كلٍّ من قولِه تعالى: {إِنَّا مَعَكُمْ} . وأربابُ البيانِ لا يقولونَ بذلكَ في الجملةِ التي لا مَحلَّ لها من الإعرابِ ا. هـ.

وذَهَبَ بعضُهم إلى دخولِ بدَلِ الكلِّ في كمالِ الاتِّصالِ؛ لأنَّه يَتحقَّقُ في الجمَلِ مطلَقًا، أمَّا التي لها مَحَلٌّ فَلِمَا عَلِمْتَ. وأمَّا التي لا محلَّ لها فلأنَّها وإن كانت لا نِسبةَ فيها للعاملِ حتَّى تُنقَلَ للجملةِ الثانيةِ إلَّا أنَّه يَنزِلُ قصْدُ استئنافِ إثباتِها منزِلةَ نَقْلِ الحكْمِ إلى مضمونِ الثانيةِ، ومثَّلَ لبدَلِ الكلِّ فيما لا مَحَلَّ له بقولِ القائلِ: قَنَعْنَا بالأسودَيْنِ، قَنَعْنَا بالتمرِ والماءِ، فإذا قَصَدَ الإخْبَارَ بالأُولى ثمَّ بالثانيةِ؛ لكَوْنِ الأُولى كغيرِ الوافيةِ بالمرادِ لمَا فيها من إبهامٍ ما، والمَقامُ يَقْتَضي الاعتناءَ بشأنِ المخبَرِ به تفصيلًا لمَا فيه من تشويقِ المخبَرِ أو نحوِ ذلكَ، كانتْ بدَلَ كلٍّ. وأمَّا بدلُ الغلَطِ، فقيلَ: لا يَدخُلُ في كمالِ الاتِّصالِ؛ لأنَّه لا يَقعُ في الفصيحِ، وفيه أنَّ الذي لا يَقعُ في الفصيحِ الغلطُ الحقيقيُّ، وأمَّا إن كان غيرَ حقيقيٍّ بأن تَغالَطَ، بأن يَفعَلَ المتكلِّمُ فعْلَ الغالِطِ لغرَضٍ من الأغراضِ فهذا واقعٌ في الفصيحِ، إلَّا أنَّه نادرٌ، ونُدرتُه لا تَقتضِي عدمَ دخولِه في كمالِ الاتِّصالِ، فافْهَمْ.

(4) (76) (قولُه: نحوَ: {أمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ} إلخ) ، أي: نحوَ قولِ اللَّهِ تعالى حكايةً عن قولِ نبيِّه هودٍ لقومِه. وجُملةُ أمدَّكُم بما تَعلمون لا محَلَّ لها؛ لأنَّها صِلةُ الذي في قولِه تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ} إلخ. وقد صرَّحَ ابنُ هشامٍ بأنَّ المحَلَّ للموصولِ دونَ الصلةِ، وصرَّحَ العلَّامةُ السيِّدُ بأنَّ المحلَّ لمجموعِ الصلَةِ والموصولِ، فمجَرَّدُ الصلةِ لا مَحلَّ لها. دسوقيٌّ.

(5) (77) (قولُه: أو بأنْ تكونَ) ، أي: الثانيةُ. وقولُه: بيانًا لها، أي: للأُولى، لما فيها من الخفاءِ مع اقتضاءِ المقامِ إزالتَه من غيرِ أن يُقصَدَ بها استئنافُ الإخبارِ بنِسبتِها كما في البدَلِ. والفرْقُ بينَ البدَلِ والبيانِ مع وجودِ الخفاءِ في كلٍّ من المبدَلِ منه والمبيَّنِ أنَّ المقصودَ في البدَلِ هو الثاني لا الأوَّلُ، والمقصودَ في البيانِ هو الأوَّلُ، والثاني توضيحٌ له، فالإيضاحُ في البدَلِ حاصلٌ غيرُ مقصودٍ بالذاتِ، وحاصلٌ مقصودٌ بالذاتِ في البيانِ.

(6) (78) (قولُه: نحوَ: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ} إلخ) ، ضَمَّنَ وَسوسَ معنى أَلْقَى فعَدَّى بإلى، فكأنَّه قيلَ: فأَلْقَى إليه الشيطانُ وسوستَه، وهذه الجملةُ فيها خفاءٌ؛ إذ لم تَتبيَّنْ تلكَ الوسوسةُ، فبُيِّنَتْ بقولِه: {قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلَى} ، وأضافَ الشجرةَ للخُلْدِ بادِّعاءِ أنَّ الأكْلَ منها سببٌ لخلودِ الآكِلِ وعدَمِ موتِه، ومعنى: وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى، لا يَتطَرَّقُ إليه نُقصانٌ، فضْلًا عن الزوالِ. والآيةُ مثالٌ لكمالِ الاتِّصالِ بينَ الجملتيْنِ بسببِ كونِ الثانيةِ بيانًا بقَطْعِ النظرِ عن كونِ الأُولى لها محلٌّ أو لا، وإلَّا فالجملةُ الأُولى في مَحلِّ جرٍ لعطفِها على جملةِ قُلنا المضافِ إليها إذْ من قولِه تعالى في سورةِ طه: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُو لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى} الآيةَ، فافْهَمْ.

(7) (79) (قولُه: بأن تكونَ) ، أي: الثانيةُ، وقولُه: مؤكِّدةً لها أي: للأُولى. إمَّا تأكيدًا معنويًّا بأن يَختلِفَ مفهومُ الجملتيْنِ، ولكن يَلزَمُ من تقريرِ معنى إحداهما تقريرُ معنى الأُخرى لدَفْعِ المتكلِّمِ توهُّمَ السامعِ التجوُّزَ في الأُولى، نحوَ: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} ، إذا جُعِلَتْ {الم} طائفةً من الحروفِ واقعةً في أوائلِ السوَرِ إشارةً إلى أنَّ الكتابَ المتحَدَّى به مُركَّبٌ من جنسِ هذه الحروفِ، أو جُعِلَتْ جُمْلةً مستقِلَّةً على تقديرِ الم هذا، أوهذا الم، أو أذْكُرُ الم، أو أُقْسِمُ بالم، وأنَّها إمَّا اسمٌ للسورةِ أو القرآنِ، أو اسمٌ من أسمائِه تعالى، أو مؤَوَّلٌ بالمؤلَّفِ من هذه الحروفِ، و {ذَلِكَ الْكِتَابُ} جملةٌ ثانيةٌ بجعلِ المبتدأِ ذلكَ، الدالُّ على كمالِ العنايةِ بتمييزِه والتوسُّلِ ببُعدِه إلى التعظيمِ وعلوِّ الدرجةِ، والخبرِ الكتابَ المعروفَ باللامِ للدَّلالةِ على الانحصارِ كما مَرَّ، والمرادُ أنَّه الكتابُ الكاملُ في الهدايةِ الذي يَستحِقُّ أن يُسمَّى كتابًا كأنَّ ما عَدَاهُ من الكتبِ السماويِّةِ في مقابَلتِه ناقصٌ، بل ليس بكتابٍ، ثمَّ إنَّه لمَّا كانت هذه الجملةُ بسببِ ما فيها من المبالَغةِ المذكورةِ لو صَدَرَتْ من غيرِ علَّام الغُيوبِ لتوَهَّمَ السامعُ قبلَ التأمُّلِ في كمالاتِ الكتابِ أنَّ مُفادَها من المبالَغةِ ممَّا يُرمَى به جُزافًا، وكان توهُّمُ الجُزافِ فيها بمنزِلةِ توهُّمِ التجوُّزِ في جاءَني زيدٌ؛ لاشتراكِهما في المساهَلةِ، أُكِّدَتْ بجملةِ لا رَيْبَ فيه دفْعًا لذلكَ التوهُّمِ جرْيًا على قاعدةِ ما تَجِبُ مراعاتُه في البلاغةِ العرفيَّةِ باعتبارِ كلامِ المخلوقِ، نعم دَفْعُ هذا التوهُّمِ بلا ريبَ فيه ظاهرٌ على تقديرِ عَوْدِ ضميرٍ فيه إلى الكلامِ السابقِ، أعْنِي ذلكَ الكتابُ، كأنَّه قيلَ: لا ريبَ فيه ولا مجازفةَ، وإمَّا على تقديرِ عَوْدِه للكتابِ كما هو الظاهرُ، فمَبْنِيٌّ على أنَّه إذا لم يكن ريبٌ في كونِه كاملًا غايةَ الكمالِ لم يكن قولُكَ ذلكَ الكتابُ بالمجازفةِ، فمَرْتَبَةُ لا ريبَ فيه مع ذلكَ الكتابُ في دفْعِ توهُّمِ الجُزافِ مرتَبةُ نفسِه مع زيدٍ في قولِكَ جاءَ زيدٌ نفسُه. وإمَّا تأكيدًا لفظيًّا بأن يكونَ مضمونُ الجملةِ الثانيةِ هو مضمونُ الأُولى، نحوَ: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} ، حيثُ لم يُقْصَدْ بالثانيةِ استئنافُ الإخبارِ بنِسبتِها، وإلَّا كانت بدَلَ كلٍّ من الأُولى، ونحوَ: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} ، أي: هو هدًى للضالِّينَ الصَّائِرينَ إلى التقوى لاتِّحادِ هذه الجملةِ مع جملةِ ذلكَ الكتابُ في المعنى؛ لأنَّه لمَّا كان مدلولُ ذلكَ الكتابِ المُطابقيُّ أنَّهُ الكتابُ لا غيرَ، وهو محالٌ، وإنَّما الغرَضُ وصفُهُ بالكمالِ في الهدايةِ، ومدلولُ هو هدًى أنَّه نفسُ الهدايةِ، وهو محالٌ أيضًا، وإنَّما الغرضُ كونُه كاملًا في إفادةِ الهدايةِ صارَا متَّحِدَيْنِ في عدَمِ إرادةِ الظاهرِ، وفي إرادةِ الكمالِ في الهدايةِ، وصارت مرتَبَةُ هدًى مع ذلكَ الكتابِ مرتبةَ زيدٍ الثاني في جاءني زيدٌ زيدٌ؛ فلذا لم يَعْطِفْ هدًى للمتَّقِينَ على ذلكَ الكتابِ، كما لم يَعطِفْ على لا ريبَ فيه، وإن اشتَرَكا في التأكيديَّةِ؛ لأنَّه لا يُعطَفُ تأكيدٌ على تأكيدٍ، فلا يُقالُ: جاءَ القومُ كلُّهم وأَجْمَعونَ؛ لإيهامِ العطْفِ على المؤكِّدِ، فافْهَمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت