فهرس الكتاب
لا تَسأَل المرءَ [1] عن خلائقِهِ * في وجهِهِ شاهدٌ من الخبَرِ
وكقولِ الآخَرِ:
وقالَ رائدُهم أَرْسُوا نُزَاوِلُها [2] ... * فحَتْفُ [3] كلِّ امرئٍ يَجرِي بمقدارِ
أو بأن لا يكونَ بينَهما مناسبةٌ في المعنى [4] ، كقولِكَ: عليٌّ كاتبٌ الحمامُ طائرٌ؛ فإنه لا مناسبةَ في المعنى بينَ كتابةِ عليٍّ وطَيرانِ الحمَامِ، ويُقالُ في هذا الموضعِ [5] : إن بينَ الجُملتينِ كمالَ الانقطاعِ [6] .
(1) (83) (قولُه: لا تَسألِ الْمَرْءَ إلخ) ، لم يَعطِفْ في وجهِه شاهدٌ من الخبَرِ على لا تَسألْ إلخ؛ لأنَّه خبرٌ لفظًا ومعنًى، ولا تسألْ إنشاءٌ لفظًا ومعنًى، وكلاهما لا مَحَلَّ له من الإعرابِ.
(2) (قولُه: وقال رائدُهم أرْسُوا نُزَاوِلُها إلخ) ، لم يَعطِفْ نُزاوِلُها على أرْسُوا؛ لأنَّه خبَرٌ لفظًا ومعنًى، وأرْسُوا إنشاءٌ لفظًا ومعنًى؛ لأنَّه أمرٌ، وكلُّ أمرٍ كذلكَ. وقد مَرَّ عن صاحبِ عروسِ الأفراحِ أنَّ ذلكَ مانِعٌ من العطْفِ باتِّفاقِ البيانِيِّينَ باعتبارِ مقتَضَى البلاغةِ وما يَجبُ أن يُراعَى. وأمَّا عندَ أهلِ اللغةِ ففيه الخلافُ المارُّ، قال: ومَن مَنَعَ العطْفَ منهم فمَنَعَهُ بالنظرِ للبلاغةِ ومراعاةِ المطابقةِ بمُقْتَضَى الحالِ، ومن جوَّزَه منهم فتَجويزُه بالنظرِ للغةِ لا بالنظرِ للبلاغةِ ومراعاةِ المطابَقةِ بمُقتَضَى الحالِ، فلا خلافَ بينَ الفريقيْنِ، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الجائزَ لغةً إذا لم يكن نادرًا لا يُنَافِي البلاغةَ، فإنَّ قيلَ: أرادَ أنَّ الفصْلَ عندَ كمالِ الانقطاعِ واجبٌ في مقامٍ ممتَنِعٌ في آخَرَ، قُلْنَا: هذا ممَّا لم يَذكروهُ ولم يَتعرَّضُوا لهُ أصْلًا، تأمَّلْ دسوقيًّا. والرائدُ هو الذي يَتقدَّمُ القومَ لطلَبِ الماءِ والكَلأِ، وأَرْسُوا أي: أقيموا بهذا المكانِ المناسِبِ للحربِ، وهو مأخوذٌ من أَرْسَيْتُ السفينةَ، حبستُها في البحرِ بالمَرساةِ، وهي حديدةٌ تُلْقَى في الماءِ متَّصلَةً بالسفينةِ فتَقِفُ، ونُزَاولُها أي: نُحاوِلُ أمْرَ الحربِ ونُعالِجُها.
(3) (85) (وقولُه: فحتْفُ كُلِّ إلخ) عِلَّةٌ لمحذوفٍ، أي: ولا تَخافوا من الحتْفِ؛ لأنَّ حتفَ أيْ موتَ كُلِّ امرئٍ أيْ نفسٍ يَجري بقدَرِ اللَّهِ تعالى، لا الجُبْنُ يُنجِيه، ولا الإقدامُ يُردِيه. قالَ في عروسِ الأفراحِ: والجملةُ الأُولى، وهي أَرْسُوا في البيتِ، وإن كانَ لها محَلٌّ باعتبارِ الحكايةِ؛ لأنَّ قالَ متسلِّطٌ عليها على المشهورِ، إلَّا أنَّها مستأنَفةٌ لا محَلَّ لها باعتبارِ المحكِيِّ، والمقصودُ هنا إنَّما هو تعليلُ عدَمِ وصْلِ المحكِيِّ عنه ا. هـ بتصرُّفٍ.
(4) (86) (قولُه: أو بأن لا يكونَ بينَهما مناسَبةٌ في المعنى) ، أي: مع اتِّفاقِ الجملتيْنِ في الخبريَّةِ والإنشائيَّةِ؛ لئلَّا يَدخُلَ القِسْمُ الأوَّلُ في هذا أيضًا بأن لا تكونَ مناسَبةٌ بينَ المُسْنَديْنِ والمُسْنَدِ إليهما معًا، نحوَ: زيدٌ قائمٌ، العِلْمُ حسَنٌ، ومنهُ مثالُ الكِتابِ حيثُ لا مناسبةَ في المعنى بينَ عليٍّ والحمَامِ، كما لا مُناسَبةَ بينَ الكتابةِ والطيرانِ، أو بينَ المُسْنَدِ إليهما فقطْ، نحوَ: زيدٌ طويلٌ وعمرٌو قصيرٌ، حيثُ لا مُناسبَةَ بينَ زيدٍ وعمرٍو من صداقةٍ وغيرِها، وإن تَحقَّقَ بينَ الطولِ والقِصَرِ التضادُّ، أو بينَ المُسْنَدَيْنِ فقطْ نحوَ: زيدٌ طويلٌ وعمرٌو قائمٌ، عندَ فرْضِ الصداقةِ بينَ زيدٍ وعمرٍو.
(5) (87) (قولُه: ويُقالُ في هذا الموضِعِ) ، أي: بقِسمَيْه، أعْنِي ما إذا كان بينَ نِسبَتِي الجملتيْنِ تبايُنٌ تامٌّ، وما إذا انْتَفَت المناسَبةُ بينَ طَرَفَي كلٍّ من الجملتيْنِ مع اتِّفاقِ نِسبتَيْهِما في الخبريَّةِ والإنشائيَّةِ.
(6) (وقولُه: إنَّ بينَ الجملتيْنِ كمالَ الانقطاعِ) ، أي: كما يُقالُ ذلكَ في الموضِعِ الثاني من الوصْلِ والعطْفِ هناكَ لدَفْعِ الإيهامِ.