الصفحة 52 من 86

(الثالثُ) : كَوْنُ الجملةِ الثانيةِ جوابًا عن سؤالٍ [1] نَشَأَ من الجملةِ الأُولَى [2] ، كقولِه:

(1) (قولُه: كونُ الجملةِ الثانيةِ جوابًا عن سؤالٍ إلخ) ، أي: إمَّا عن مُطلَقِ سببِ الحكْمِ أي المحكومِ به الكائنِ في الجملةِ الأولى بأن يكونَ التصديقُ بوجودِ السببِ حاصلًا للسائلِ، إلَّا أنَّه جاهلٌ حقيقةَ السببِ، فيَطلُبُ بما المقَدَّرَةِ شرْحَ ماهيَّتِه، والتصديقُ الحاصلُ بوجودِ سببٍ معيَّنٍ حينئذٍ ضِمنِيٌّ ليسَ مقصودًا للسائلِ نحوَ:

قالَ لي كيفَ أنتَ قُلْتُ عليلُ ... * ... سَهَرٌ دائمٌ وحزْنٌ طويلُ

فعليلٌ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ تقديرُه أي: أنا عليلٌ، وهذه الجملةُ مَنشأُ السؤالِ أي: ما بالُكَ عليلًا؟ أو ما سببُ عِلَّتِكَ؟ وذلكَ أنَّه إذا قيلَ: فلانٌ مريضٌ، لم يَتَصَوَّر السامعُ منه إلَّا مجرَّدَ المرضِ، ويَبقى السببُ مجهولًا، فيقولُ: ما سببُ مرضِه؟ فيكونُ السؤالُ عبارةً عن طلَبِ تَصوُّرِ السببِ؛ لكونِه جاهلًا به، وإجابةُ ذلكَ السؤالِ التصوُّرِيِّ بسببٍ خاصٍّ يَحصُلُ مطلوبُ السائلِ، أعْنِي تَصَوُّرَ سببِ المرضِ مع التصديقِ بكونِ السببِ الخاصِّ سببًا، إلَّا أنَّ هذا التصديقَ لمَّا لم يُغايِر التصديقَ الحاصلَ للسامعِ قبلَ السؤالِ لم يكن هذا السؤالُ إلَّا لتصوُّرِ ماهيَّةِ السببِ، وحينئذٍ يكونُ السائلُ خاليَ الذهْنِ من السببِ، وطالبًا لتَصوُّرِ السببِ المطلَقِ، فلا يؤكِّدُ الكلامَ الملْقَى إليه؛ لأنَّ التأكيدَ إنَّما يَجيءُ لطالبِ الحكْمِ. والجملةُ الاسميَّةُ في الجوابِ، أعْنِي سَهَرٌ دائمٌ إلخ، وإن كانت من المؤكِّداتِ كما مَرَّ إلَّا أنَّها لا تكونُ من المؤكِّداتِ إلَّا إذا انضَمَّ إليها مؤكِّدٌ، وإلَّا فلا كما هنا، فعَدَمُ التأكيدِ هنا دليلٌ على أنَّ السائلَ طالبٌ لتصوُّرِ السببِ مُطلَقًا، فافْهَمْ ومن ذلك:

-... جَزَى اللَّهُ الشَّدَائِدَ كلَّ خيرٍ * البيتَ، أي: لم تقولُ هذا ويْحَكَ، وما الذي اقتَضَاكَ أن تُخالِفَ غيرَك بالترَضِّي عن الشدائدِ وعَدَمِ بُغضِها؟ وإمَّا عن سببٍ خاصٍّ لهذا الحكْمِ أي المحكومِ به الكائنِ في الجملةِ الأولى، يَسألُ السائلُ عنه: هل هو حاصلٌ أو غيرُ حاصلٍ؟ فيكونُ المقامُ مقامَ أن يَترَدَّدَ في ثبوتِه؛ فلذا يُستَحْسَنُ الإتيانُ بجوابِه مؤكَّدًا بمؤكِّدٍ واحدٍ، نحوَ: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} ، فجملةُ ولا تُخاطِبْني إلخ منشأُ السؤالِ، أي: هل استَحَقُّوا العذابَ؟ وقولُه: {إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} أيْ: محكومٌ عليهم بالإغراقِ، فلا سبيلَ إلى كَفِّه. هذا هو الاستئنافُ، ونحوَ: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} ،فجملةُ {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} منشأُ السؤالِ، وقولُه: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} هذا هو الاستئنافُ، والسؤالُ المقدَّرُ: هل جِنسُ النفسِ مجبولةٌ على الأمرِ بالسوءِ، فلا براءةَ لهذه النفسِ الشريفةِ المزكَّاةِ؟ فأُجيبَ: نعمْ، إنَّ جنسَ النفسِ آمِرةٌ بالسوءِ مجبولةٌ عليه، فيكونُ هو السببُ لنفيِ التَّبْرِئَةِ، وليسَ السؤالُ المقدَّرُ: ما سببُ عدَمِ تَبرِئَتِكَ لنفسِكَ على ما سَبَقَ إليهِ الوهْمُ؛ لأنَّه معلومٌ، وهو الهَمُّ المفهومُ من قولِهِ: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} . عبدُ الحكيمِ. إن قُلْتَ: ما وجهُ تأكيدِ الاستئنافِ في هذهِ الآيةِ بأنَّ واللامِ واسميَّةِ الجملةِ، وهو مقامُ ترَدُّدٍ وطلبٍ تَنزيليٍّ لا يَحسُنُ فيه إلَّا مؤكِّدٌ واحدٌ؟ قلتُ: وجهُه، واللَّهُ أعلَمُ، هو وجودُ الظنِّ القويِّ في خلافِ الحكْمِ المؤكِّدِ هنا؛ لأنَّ حالَ الأنبياءِ عندَ من عَرَفَ زكاتَها يُبْعِدُ التردُّدَ في كونِ نفسِه عليه السلامُ تأمُرُ بالسوءِ، ولكن لمَّا نَفَى تَبرئةَ النفسِ عن موجباتِ نُقصانِها صارَ المقامُ مقامَ التردُّدِ باعتبارِ أصلِ معناهُ، كما نَقَلَهُ الدسوقيُّ عن تقريرِ شيخِه العدويِّ، وعن ابنِ عبَّاسٍ رضِيَ اللَّهُ عنهما أنَّه لمَّا قالَ {لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} قالَ له جِبْرِيلُ عليه السلامُ: أَوَملَكٌ آخَرُ ولا حينَ هَمَمْتَ؟ فقالَ: وما أُبَرِّئُ نَفْسي ا. هـ.

-... وفي الْبَيْضَاوِيِّ: إنَّ النفسَ لأمَّارةٌ بالسوءِ من حيثُ إنَّها بالطبْعِ مائلةٌ إلى الشهواتِ فتَهِمُّ بها، وتُستَعْمَلُ القُوى والجوارحُ في أثَرِها كلَّ الأوقاتِ، {إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} : إلَّا وقتَ رحمةِ ربِّي، أو إلَّا ما رَحِمَهُ اللَّهُ من النفوسِ فعَصَمَهُ من ذلكَ. وقيل الاستثناءُ منقطِعٌ، أي: ولكنَّ رحمةَ ربي هي التي تَصْرِفُ الإساءةَ ا. هـ. يعني أنَّ الأمرَ مجازٌ عن الهمِّ أي القصدِ والعزْمِ الذي يَتبعُه استعمالُ القُوَى والجوارحِ غالبًا، وهو إشارةٌ لوجهِ الشبهِ؛ فإنَّ في الأمرِ استعمالًا لها بالقولِ، وفي الهمِّ استعمالًا لها بالحَمْلِ عليه، وكونِه في كلِّ الأوقاتِ مأخوذًا من صيغةِ المبالَغةِ. خفاجيٌّ. وبيانُ ذلكَ أنَّ استحسانَ التأكيدِ بمؤكِّدٍ في مقامِ التردُّدِ والطلَبِ لا يُشترَطُ فيه عندَ الجمهورِ وجودُ الظنِّ في خلافِ الحكْمِ المؤكَّدِ خلافًا للشيخِ عبدِ القاهرِ، وعليه فيكونُ التأكيدُ بمؤكِّدٍ واحدٍ في المقامِ المذكورِ حيثُ لم يُوجَد الظنُّ في خلافِ الحكْمِ المؤكَّدِ، أمَّا إذا وُجِدَ الظنُّ في ذلكَ كما هنا فإنَّه يَحسُنُ الزيادةُ على مؤكِّدٍ واحدٍ بحَسْبِ قوَّةِ الظنِّ وضَعفِه؛ لأنَّ المخاطَبَ يكونُ بمنزِلةِ المنكِرِ بالنظرِ إلى الظنِّ المذكورِ، وإن كان المقامُ مقامَ تردُّدٍ باعتبارِ أصلِ المعنى. كذا ظهَرَ لي فتأمَّلْهُ بإنصافٍ، وسيأتي عن ابنِ يعقوبَ أنَّ الظنَّ في خلافِ الحكْمِ يَقتضي التأكيدَ، فلِلَّه الحمْدُ. وأمَّا عن غيرِهما، أي: غيرِ السببِ الخاصِّ وغيرِ السببِ المُطلَقِ، وهو شيءٌ آخرُ له تعلُّقٌ بالجملةِ الأولى، يَقتضي المقامُ السؤالَ عنهُ إمَّا عامٌّ نحوَ: {قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} ، أي: قالَ الرسُّلُ، أعني الملائكةَ المرسَلينَ لقومِ لوطٍ: نُسلِّمُ عليكَ يا إبراهيمُ سلامًا، وهذه الجملةُ هي منشأُ السؤالِ، أي: فماذا قال إبراهيمُ في جوابِ سلامِهم؟ فقيلَ: قالَ: سلامٌ عليكم، أي حيَّاهم بتحيَّةٍ أحسَنَ؛ لكونِها بالجملةِ الاسميَّةِ الدالَّةِ على الدوامِ والثباتِ، كذا قيلَ. ولا شكَّ أنَّ قولَ إبراهيمَ: سلامٌ، ليس سببًا لسلامِ الملائكةِ لا عامًّا ولا خاصًّا. وعامٌّ في حدِّ ذاتِه، وأمَّا خاصٌّ كقولِه:

زَعَمَ الْعَوَاذِلُ أنَّني في غَمرةٍ ... * ... صَدَقوا ولكنْ غَمْرتي لا تَنْجَلي

وقولُه:

جاءَ شقيقٌ عارضًا رُمْحَه ... * ... إنَّ بني عمِّكَ فيهم رِماحُ

فجملةُ زَعَمَ العواذلُ إلخ منشأُ سؤالٍ مقدَّرٍ؛ لأنَّ الزعْمَ مطيَّةُ الكذِبِ، فيُفهَمُ أنَّ ما زَعَموه يَحتمِلُ الصدْقَ وعدمَه، فكأنَّه قيلَ: أصَدَقُوا في ذلكَ الزعْمِ أم لا؟ وقولُه: صَدَقوا جوابُ ذلكَ السؤالِ المقدَّرِ، وأتى به فعلًا ليُطابِقَ السؤالَ، ولم يُؤَكِّدْ مع أنَّ الأنسبَ بكونِ الزعمِ مطيَّةَ الكذِبِ الظنُّ في خلافِ الحكْمِ لا مجرَّدَ الشكِّ، وذلكَ الظنُّ يَقتضي التأكيدَ كما في ابنِ يعقوبَ على التلخيصِ؛ لأنَّ التأكيدَ تَقديريٌّ معهُ بمثلِ القَسَمِ، أي: صَدَقوا واللَّهِ مثلًا. وجملةُ جاءَ شقيقٌ إلخ منشأُ سؤالٍ صادرٍ من شقيقٍ مقدَّرٍ، أي: هل في بني عَمِّي رِماحٌ أم لا؟ وقولُه: إنَّ بني عَمِّك إلخ، جوابُ ذلكَ السؤالِ المقدَّرِ.

(2) (90) (قولُهُ: نَشأَ من الجُمْلةِ الأُولى) ، أيْ: فوجَبَ فصْلُ الجملةِ الثانيةِ عن الجملةِ الأُولى، ويُسمَّى الفصْلُ لذلكَ استئنافًا، كما تُسمَّى الجملةُ الثانيةُ نفسُها استئنافًا ومستأنَفةً، وإنَّما وَجَبَ فصلُها عنها إمَّا لتنزيلِها منزِلةَ السؤالِ؛ لكونِها مشتمِلةً عليه ومُقتضيَةً له، كما قالَ صاحبُ التلخيصِ، وإمَّا لتنزيلِ ذلكَ السؤالِ الذي تَقتضيهِ وتَدُلُّ عليهِ بالفَحْوَى، أيْ: بالمفهومِ، منزِلَةَ السؤالِ الواقعِ كما قالَ السكَّاكِيُّ. والسؤالُ والجوابُ المُحقَّقانِ إنْ نُظِرَ إلى مَعْنَيَيْهِما فبينَهما شِبهُ كمالِ الاتِّصالِ إذٍ، كما أنَّ الجملةَ الأُولى في الأقسامِ الثلاثةِ التي انْحَصَرَ فيها كمالُ الاتِّصالِ، أعْنِي البدَلَ والبيانَ والتأكيدَ، مستَتْبِعَةٌ للثانيةِ، ولا تُوجدُ الثانيةُ بدونِ الأُولى، كذلكَ السؤالُ مُستَتْبِعٌ للجوابِ، والجوابُ لا يُوجَدُ بدونِ السؤالِ، وحينئذٍ فكلٌّ من صورةِ السؤالِ والجوابِ والاستئنافِ من شِبهِ كمالِ الاتِّصالِ، وإنْ نُظِرَ إلى لفظَيْهِما فبينَهما كمالُ الانقطاعِ؛ لكَوْنِ السؤالِ إنشاءً والجوابِ خبرًا، أو إنْ نُظِرَ إلى قائلَيْهما فكلٌّ منهما كلامُ مُتَكلِّمٍ، ولا يُعطَفُ كلامُ متكلِّمٍ على كلامِ متكلِّمٍ آخَرَ غالبًا، ومِنْ غيرِ الغالبِ ما يُقالُ: وعليكُم السلامُ، عطْفًا على السلامُ عليكم، فَعَلى جميعِ التقاديرِ الفصْلُ مُتعيِّنٌ، وليْسَت الواوُ للعطفِ في قولِ الشاعرِ:

* فلا صَبْرٌ يَبدُو وفي اليَأْسِ راحةٌ *

معَ أنَّ قولَهُ: وفي اليأسِ راحةٌ، جوابٌ لسؤالٍ مقدَّرٍ اقتضَتْهُ الأُولى، أيْ: ما تَصنَعُ بهِ، وإنَّما هيَ للاستئنافِ. وليسَ قولُه تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ} الآيةَ، جوابًا لسؤالٍ نَشأَ من الآيةِ الأُولى، أَعْنِي قولَهُ تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} ؛ وذلكَ لأنَّ الآيةَ الأُولى نزَلَتْ في مَنْعِ الرسولِ عليهِ السلامُ من الاستغفارِ لعَمِّهِ، ومنْعِ المؤمنيِنَ من الاستغفارِ لآبائِهم محتَجِّينَ في ذلكَ بأنَّ إبراهيمَ استغْفَرَ لأبيهِ على ما في الكشَّافِ. فالآيةُ الأُولى منْعٌ لهم عن الاستغفارِ للآباءِ والأقرَبينَ، والثانيةُ جوابٌ لتَمسُّكِهم باستغفارِ إبراهيمَ، فعَطَفَ الثانيةَ عليها للتناسُبِ، فافْهَم هذا. وتنزيلُ الجملةِ الأُولى منزِلةَ السؤالِ، أو تنزيلُ السؤالِ المقدَّرِ مَنزلةَ السؤالِ الواقعِ، إنَّما يكونُ لنُكْتَة: ٍ (1) كإغناءِ السامعِ عن أن يَسألَ تعظيمًا لهُ أو شَفقةً عليهِ. (2) أو إرادةِ أن لا يَسمَعَ من السامعِ شيئًا تحقيرًا لهُ وكراهةً لكلامِهِ. (3) أو إرادةِ أن لا يَنقَطِعَ كلامُكَ بكلامِ السامعِ لِئلَّا يَفوتَ انسياقُ الكلامِ الذي قَصَدَ أن لا يُنسَى منهُ شيءٌ. (4) أو إرادةِ تكثيرِ المعنى بتقليلِ اللفظِ؛ وذلكَ بسببِ تقديرِ السؤالِ وترْكِ العاطِفِ. (5) أو إرادةِ التنبيهِ على فَطانةِ السامعِ، وأنَّ المقدَّرَ عندَه كالمذكورِ. (6) أو إرادةِ التنبيهِ على بَلادةِ السامعِ وعدمِ تَنَبُّهِه لذلكَ إلَّا بعدَ إيرادِ الجوابِ عنهُ؛ حيثُ لم يُورد السؤالَ بعدَ إلقاءِ المتكلِّمِ الجملةَ الأولى التي هيَ منشأُ السؤالِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت