الصفحة 53 من 86

جَزَى اللَّهُ الشدائدَ [1] كلَّ خيرٍ * عَرَفْتُ بها عَدُوِّيَّ من صَديقي

ويُقالُ: بينَ الجملتينِ [2] شِبهُ كمالِ الاتِّصالِ [3] .

(الرابعُ) : أن تُسبَقَ جملةٌ بجملتينِ يَصِحُّ عطْفُها على إحداهما لوجودِ المناسبةِ [4] ، وفي عطفِها على الأخرى فسادٌ [5] ، فيُتْرَكُ العطْفُ [6] دفْعًا للوَهْمِ، كقولِه:

وتَظُنُّ سَلْمَى [7] أنَّني أبْغِي بها * بَدَلًا أُرَاها في الضلالِ تَهِيمُ

(1) (91) (قولُه: كقَوْلِه: جَزَى اللَّهُ الشدائدَ إلخ) ، أي: فجملةُ جَزَى اللَّهُ إلخ مَنشأُ سؤالٍ مقَدَّرٍ عن مطلَقِ سببِ الحكْمِ، أي: ما سببُ دعائِكَ للشدائدِ على خِلافِ ما اعتادَه الناسُ؟ وقولُه: عَرَفْتُ بها إلخ، هذا هو الاستئنافُ.

(2) (قولُه: ويُقالُ بينَ الجملتيْنِ) ، أي: الأُولى التي هيَ مَنشأُ السؤالِ المقدَّرِ، والثانيةُ التي هيَ مُستأنَفةٌ جوابًا لذلكَ السؤالِ المقدَّرِ.

(3) (93) (وقولُه: شِبْهُ كَمالِ الاتِّصالِ) ، أي: لِمَا عَلِمْتَ من أنَّه كما أنَّ الجملةَ الأُولى في الأقسامِ الثلاثةِ التي انْحَصَرَ فيها كمالُ الاتِّصالِ، أعْنِي البدَلَ والبيانَ والتأكيدَ، مستتْبِعَةٌ للثانيةِ، ولا تُوجَدُ الثانيةُ بدونِ الأُولى، ذلكَ السؤالُ مستتْبِعٌ للجوابِ، والجوابُ لا يُوجَدُ بدونِ السؤالِ، وكذلكَ ما كانَ بمنزِلةِ الجوابِ والسؤالِ، وهو الاستئنافُ وما قبلَهُ، وحينئذٍ فكلٌّ من صورةِ السؤالِ والجوابِ والاستئنافِ من شِبهِ كمالِ الاتِّصالِ، وليست صورةُ الجوابِ والسؤالِ داخلةً في صورةِ البيانِ كما قيلَ؛ لأنَّ الجوابَ لا يَدفَعُ الإبهامَ الذي في السؤالِ؛ إذ لا إبهامَ فيه، إنَّما يَدفَعُ الإبهامَ الذي في مَوْرِدِ السؤالِ. أفَادَه الدسوقيُّ عن عبدِ الحكيمِ.

(4) (قولُه: لوجودِ المناسَبةِ) ، أي: الجامعُ العقليُّ أو الوهميُّ أو الخياليُّ بينَ المُسْنَدَيْنِ والمُسْنَدِ إليهما في الجملةِ المسبوقةِ وإحدى السابقتيْنِ عليها كما سيَتَّضِحُ لكَ، والمناسَبةُ التي لا تُناسِبُ كمالَ الانقطاعِ ولا شِبهَهُ هيَ المصحِّحَةُ للعطْفِ بخلافِ هذهِ المناسَبةِ، فإنَّها غيرُ مصحِّحةٍ للعطْفِ؛ لأنَّ معها الإبهامَ المُنافِي للعطْفِ، فيَصِحُّ وجودُها هنا، فافْهَمْ.

(5) (قولُه: فسادٌ) ، أي: خلَلٌ في المعنى، كما سيَتَّضِحُ ذلكَ في المثالِ الآتي.

(6) (قولُه: فيُترَكُ العطْفُ) ، أي: للجملةِ المسبوقةِ على إحدى السابقَتَيْنِ التي تُناسِبُها في كلٍّ من المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إليهِ، وقولُه: دفْعًا للوَهْمِ، أي: وهْمِ السامعِ عَطْفَها على غيرِ المقصودِ، ويُسمَّى الفصْلُ، أي: ترْكُ العطْفِ لدفْعِ الوهْمِ، قطعًا، إمَّا لقَطْعِه لِتَوَهُّمِ السامعِ خلافَ المرادِ، وإمَّا لأنَّ كلَّ فصْلٍ قُطِعَ، فيكونُ من تَسميةِ المقيَّدِ باسمِ المطلَقِ.

(7) (97) (قولُه: كقولِه: وتَظُنُّ سَلْمَى إلخ) ، فكلٌّ من قولِه: وتَظُنُّ سَلْمَى، وقولِه: أُراها في الضلالِ تهيمُ، جملةٌ خبريَّةٌ وبينَهما مناسَبةٌ لوجودِ الجِهةِ الجامعةِ، وهي الاتِّحادُ بينَ مُسْنَدَيْهِما، وهي تَظُنُّ وأُرَى؛ لأنَّ مَعْنَى أُرَى أظُنُّ، وشِبْهُ التضايُفِ بينَ المُسْنَدِ إليهما فيهما، وهو الضميرُ المستَتِرُ في تَظُنُّ وأُراها؛ فإنَّ الأوَّلَ عائدٌ على سَلْمَى وهي محبوبةٌ، والثاني عائدٌ على الشاعرِ وهو محبٌّ، وكلٌّ من المحِبِّ والمحبوبِ يُشبِهُ أن يَتوقَّفَ تعقُّلُه على تَعَقُّلِ الآخَرِ، فلو عطَفَ جملةَ أُراها على جملةِ تَظُنُّ سَلْمَى لكانَ صحيحًا؛ إذْ لا مانِعَ من عطفِها عليها إذ المعنى حينئذٍ أنَّ سَلْمَى تَظُنُّ كذا وأَظنُّها كذا، وهذا المعنى صحيحٌ ومرادٌ للشاعرِ، إلَّا أنَّهُ قَطَعَها ولم يَقُلْ وأُراها؛ لِئَلَّا يَتوَّهَمَ السامعُ أنَّها عطْفٌ على أبْغِي، وحينئذٍ يَفْسُدُ المعنى المرادُ، إذ المعنى حينئذٍ أنَّ سَلْمَى تَظُنُّ أنَّني أبْغِي بها بَدَلًا، وتَظُنُّ أيضًا أنَّني أظنُّها تَهيمُ في الضلالِ، وليس هذا مرادَ الشاعرِ؛ لأنَّ مرادَهُ أنَّني أحكُمُ على سَلْمَى بأنَّها أَخطأَتْ في ظَنِّها أنِّي أبْغِي بها بدَلًا، ويَدُلُّ على أنَّ مرادَه ما ذُكِرَ قولُه قبلَ ذلكَ:

زَعَمَتْ هواكَ عَفَا الغَداةَ كما عَفَا ... * ... عنها طِلالٌ باللِّوَى ورُسومُ

ودَعْوَى أنَّ الوصْلَ كما يُوهِمُ هنا خلافُ المرادِ، كذلكَ الفصْلُ يُوهِمُ خلافَ المرادِ؛ لأنَّه يَجوزُ أن يكونَ أُراها خبرًا لأنَّ بَعْدُ خبرًا وحالًا، أو بَدَلًا من أبْغِي، مدفوعةٌ بأنَّ الأصلَ في الجمَلِ الاستقلالُ، وإنَّما يُصارُ إلى كونِها في حكْمِ المفرَدِ إذا دَلَّ عليه الدليلُ. على أنَّ الشيخَ عبدَ القاهرِ نَصَّ على أنَّ ترْكَ العطْفِ بينَ الجمَلِ الواقعةِ أخبارًا لا يَجُوزُ. دسوقيٌّ عن عبدِ الحكيمِ. نعمْ كما يَجوزُ أن تكونَ جملةُ أُراها غيرَ استئنافٍ بأنْ يُقصَدَ بها الإخبارُ كالتي قبلَها، أعني جملةَ تَظُنُّ، من غيرِ تقديرِ سؤالٍ مَنشؤُهُ جملةُ تَظُنُّ، تكونُ هي جوابًا عنهُ، فيكونُ المانِعُ من العطْفِ هو الإبهامُ السابقُ، ويكونُ البيتُ من أمثلةِ شِبْهِ كمالِ الانقطاعِ، كذلكَ يَجوزُ أن تكونَ مستأنَفةً بأن يُقَدَّرَ سؤالٌ تكونُ هي جوابًا عنهُ، فيكونُ المانِعُ من العطْفِ كوْنَ جملةِ أُراها كالمتصِلَّةِ بجملةِ تَظُنُّ؛ لاقتضاءِ جملةِ تَظُنُّ السؤالَ عن غيرِ السببِ العامِّ والخاصِّ، أو تنزيلِها بمنزِلةِ السؤالِ عن ذلكَ، كأنَّهُ قيلَ: كيفَ تَراها في هذا الظَّنِّ، أهوَ صحيحٌ أم لا؟ والجوابُ يَنفصِلُ عن السؤالِ لما بينَهما من الاتِّصالِ كما عَلِمْتَ، ويكونُ البيتُ من أمثلةِ شِبهِ كمالِ الاتِّصالِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت