فهرس الكتاب
(الخامسُ) : أن لا يُقْصَدَ تشريكُ الجملتينِ في الحكْمِ [1] لقيامِ مانعٍ، كقولِه تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} ، فجملةُ اللَّهُ يَستهزئُ بهم، لا يَصِحُّ عطْفُها على إِنَّا معكم [2] ؛ لاقتضائِه [3] أنه من مَقولِهم، ولا على جملةِ قالوا؛ لاقتضائِه أنَّ استهزاءَ اللَّهِ بهم مُقيَّدٌ بحالِ [4] خُلوِّهِم إلى شياطينِهم. ويُقالُ: بينَ الجملتينِ في هذا الموضعِ توَسُّطٌ بينَ الكَمَالَيْنِ [5] .
(1) (100) (قولُه: في الحكْمِ) ، يعني حكمَ الإعرابِ، أي: الأمرُ الموجِبُ للإعرابِ كالخبريَّةِ والحاليَّةِ، إن كان للأُولى محَلٌّ من الإعرابِ، أو قَيْدٌ زائدٌ على مفهومِ الجملةِ الأُولى إذا لم يكنْ لها محَلٌّ من الإعرابِ، وقولُه: لقيامِ مانِعٍ أي من العطْفِ، وهو لزومُ تشريكِ الثانيةِ في حكْمِ الأُولى، وهو غيرُ مرادٍ.
(2) (101) (قولُه: فجملَةُ اللَّهُ يَستهزئُ بهم، لا يَصِحُّ عطفُها على إنَّا معكم، ولا على جملةِ قالوا إلخ) . أي: ولا على مجموعِ جملةِ الشرْطِ والجوابِ، التي هي قولُه تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} ، مع صحَّةِ العطْفِ على جملةِ الشرطِ والجزاءِ معًا، كقولِه تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} ، فقولُه: {وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} معطوفٌ على مجموعِ الشرطِ والجزاءِ، لا على الجوابِ؛ إذ لا معنى لقولِنا: إذا جاءَ أجَلُهم لا يَستقدِمُونَ، ومع وجودِ الجامعِ فإنَّ الاستهزاءَ في الثانيةِ موافقٌ في المعنى لقولِهم في خَلَواتِهم؛ إذ قولُهم ذلكَ استهزاءٌ واستخفافٌ بحقِّ المؤمنيِنَ باللَّهِ تعالى، والاستهزاءُ بالمؤمنِ باللَّهِ تعالى استهزاءٌ بجانِبِه تعالى في نفسِ الأمْرِ، فالاستخفافُ في الجملةِ مشترَكٌ بينَ الجملتيْنِ، والمُسْنَدُ إليهما بينَهما مناسَبةُ العداوةِ التي هي كالتضايُفِ؛ لئلَّا يُتَوَهَّمَ أنَّه معطوفٌ على جملةِ قالوا أو جملةِ إنَّا معكم، فيُفيدُ الأوَّلُ الاختصاصَ بحالِ الخُلوةِ، والثاني بكونِه مقولَ الكَفَرَةِ، وكلُّ ذلكَ غيرُ صحيحٍ، وتكونُ الآيةُ على هذا من أمثلةِ شِبْهِ كمالِ الاتِّصالِ. نعمْ قد يُقالُ: إنَّ ما ذُكِرَ في تقريرِ الجامعِ هنا يَقْتَضي أنَّ الجامعَ إنَّما يُعتَبَرُ بينَ جُمْلَتي الجوابِ والمعطوفِ، وهو وإن كان موافقًا لجعْلِ أهلِ العربيَّةِ جملةَ الشرطِ فَضْلَةً كسائِرِ الفَضَلاتِ، فلا يُعتبَرُ لها جامعٌ، إلَّا أنَّه يَستلزِمُ عدَمَ الفرْقِ بينَ عطْفِ جملةِ اللَّهُ يَستهزئُ بهم على جملةِ الجوابِ فقطْ، أو عليهِ مع الشرْطِ مدْرَجًا في الجوابِ، حتَّى كأنَّه فضْلةٌ من الفَضَلاتِ المعدودةِ في حيِّزِه في كونِ كلٍّ يُفيدُ تقييدَ المعطوفِ بهِ، وهو اللَّهُ يَستهزئُ بهم، بحالِ خُلُوِّهم إلى شياطينِهم، وهو غيرُ صحيحٍ، ويُجابُ بأنَّهُ وإن سُلِّمَ عدَمُ الفرْقِ المذكورِ إلَّا أنَّ التقييدَ عندَ اعتبارِ العطْفِ على مجموعِ جملةِ الشرْطِ والجوابِ لا على الجوابِ فقط؛ إذا انتَفَى لمانِعٍ واضحٍ، كما في قولِه تعالى: {وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} ، اقْتَضى العطْفَ، وإذا لم يَتَّضِح المانِعُ، كما في قولِه تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} ، مُنِعَ العطفُ للإيهامِ؛ وذلكَ أنَّهُ وإن كانَ الظاهرُ المُتبادَرُ في الخطابيَّاتِ تقييدَ المعطوفِ بقيْدِ المعطوفِ عليهِ المتقدِّمِ عليهِ إلَّا أنَّهُ قد يُخالِفُ الظاهرَ المُتبادَرَ لدليلٍ أقْوَى منهُ كما في الآيةِ الأُولى، أعْنِي: فَإِذا جاءَ أجَلُهم لا يَستأْخِرونَ إلخ؛ فإنَّ التقديمَ إذا جاءَ الأجَلُ مستحيلٌ استحالةً ظاهرةً فلا فائدةَ في نفيِه، بخلافِ استهزاءِ اللَّهِ بهم إذا خَلَوْا إلى شياطينِهم في الآيةِ الثانيةِ؛ فإنَّه ليسَ بهذه المثابةِ فافْهَم. ابنُ يعقوبَ بتلخيصٍ وتوضيحٍ.
(3) (قولُه: لاقتضائِه) ، أي: عطْفُ اللَّهُ يَستهزئُ بهم على إنَّا معكم، وقولُه: إنَّهُ، أي: اللَّهُ يَستهزئُ بهم من مقولِهم، أي: الكَفَرَةِ، والحالُ أنَّهُ ليسَ كذلكَ، بل من مَقولِ اللَّهِ تعالى، وقولُه: لاقتضائِه، أي: عطْفُ اللَّهُ يَستهزئُ بهم على جملةِ قالوا.
(4) (103) (وقولُه: إنَّ استهزاءَ اللَّهِ بهم مقيَّدٌ بحالِ إلخ) ، أي: كما قُيِّدَ المعطوفُ عليه به؛ وذلكَ لأنَّ المتعارَفَ في الخَطابيَّاتِ تقييدُ الجوابِ بمضمونِ إذا مع الشرطِ، وإذا قُدِّمَ متعلَّقُ الفعلِ، وهو إذا هنا، وعُطِفَ فِعْلٌ آخَرُ عليه يُفهَمُ اختصاصُ الفِعْليْنِ به، كقولِنا يومَ الجُمُعَةِ: سِرْتُ وضَرَبْتُ زيدًا، بدَلالةِ الفَحْوَى والذوْقِ؛ لأنَّهُ ليس طلبُ أحدِهما له بالأَوْلى من الآخَرِ، بخلافِ ما إذا أُخِّرَ المتعلَّقُ عن أحدِهما وقُدِّمَ على الآخَرِ، فقد صارَ المتقدَّمُ عليه هو المستحِقُّ له، فلا دليلَ ولا قرينةَ على طلَبِ المتأخِّرِ له. هذا ما يُفيدُه كلامُ السعْدِ، قالَ: سَمِّ وانظُرْ هل هذا أمْرٌ واجبٌ بحَسْبِ الاستعمالِ اعتبارُه في المعطوفِ نحوَ: جاءني يومَ الجمعةِ أو راكبًا زيدٌ وعمرٌو، ولا يجوزُ في الاستعمالِ خلافُه، بخلافِ ما إذا تأخَّرَ عن المعطوفِ عليه؛ فإنَّه لا يَجبُ أن يكونَ معتَبرًا في المعطوفِ، فهل عطْفُ الجمَلِ الذي الكلامُ هنا فيه كذلكَ محلُّ تردُّدٍ. انتَهَى كلامُه.
(5) (104) (قولُه: ويُقالُ بينَ الجملتيْنِ في هذا الموضعِ توسُّطٌ بينَ الكمالَيْنِ) ، أي: كما يُقالُ بينَ الجملتيْنِ في الموضعِ الأوَّلِ من الوصْلِ غيرَ أنَّ الفصْلَ هنا لقصْدِ عدَمِ التشريكِ، كذا قيلَ. وفيه نظَرٌ من وجهيْنِ: الأوَّلُ، أنَّه قد مَرَّ لكَ في الحاصِلِ أنَّهُ إذا قُصِدَ عدمُ التشريكِ وجَبَ الفصْلُ في الأحوالِ الستَّةِ، أعْنِي التوسُّطَ بينَ الكمالَيْن، وكمالَ الانقطاعِ مع الإيهامِ، وبدونِه، وكمالَ الاتِّصالِ، وشبْهَ كلٍّ من الكمالَيْنِ، لا في خصوصِ التوسُّطِ بينَ الكمالَيْنِ. والثاني، أنَّ التوسُّطَ بينَ الكمالَيْنِ عبارةٌ عن أن تَتَّفِقَ الجملتانِ خبرًا أو إنشاءً، ويكونَ بينَهما جهةٌ جامعةٌ، أي: مناسَبةٌ تامَّةٌ، كما مَرَّ في الكتابِ، وليس هو عبارةً عن أن لا يُقْصَدَ تشريكُ الجملتيْنِ في الحكْمِ لقيامِ مانِعٍ كما يُفهَمُ صريحًا من قولِه: ويُقالُ بينَ الجملتيْنِ في هذا الموضِعِ إلخ. فتأمَّلْ بإنصافٍ.