الصفحة 57 من 86

1 -المساواةُ، وهي تأديةُ المعنى المرادِ بعبارةٍ مساويةٍ له [1] ، بأن تكونَ على الحدِّ الذي جَرَى به عُرْفُ أوساطِ الناسِ، وهم الذين لم يَرْتَقوا [2] إلى درجةِ البلاغةِ، ولم يَنحَطُّوا إلى درجةِ الفَهَاهَةِ [3] ، نحوَ: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ [4] فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} .

2 -والإيجازُ، وهو تأديةُ المعنى بعبارةٍ ناقصةٍ عنه [5] مع وفائِها بالغرَضِ، نحوَ:

* قِفَا نَبْكِ من ذِكْرَى حبيبٍ ومَنزِلِ *

فإذا لم تَفِ بالغرَضِ سُمِّيَ إخلالًا، كقولِه:

(1) (قولُه: مساويةٍ له) ، أي: للمعنى المرادِ، أي لفائدةٍ، وهيَ كونُ المأتِيِّ به هو الأصلَ ولا مُقْتَضًى للعدولِ عنهُ، فليست المساواةُ مقبولةً مطلَقًا، بل إنَّما تُقبَلُ حيثُ لا يُوجَدُ في المقامِ مناسبةٌ سواها، وكذا يُقالُ في الإيجازِ، وإن قَصَرَ هنا التقييدَ بالفائدةِ على الإطنابِ؛ إذ كيفَ يُقبَلانِ عندَ البُلغاءِ مع عدَمِ الفائدةِ، ولذا قال السَّبْكِيُّ في (عَرُوسِ الأفراحِ) : الذي يَظهَرُ لي من كلامِ المصنِّفِ، يعني صاحبَ التلخيصِ، وهو الصوابُ أنَّ قولَه: لفائدةٍ تَتعلَّقُ بالثلاثةِ من جهةِ المعنى، وما اقْتَضَتْهُ عبارتُهُ من تعلُّقِه بالزائدِ فقطْ، فليسَ كذلكَ ا. هـ. وقولُه: بأنْ تكونَ على الحدِّ إلخ، أي: بأنْ تؤدِّيَ بما وُضِعَ لأجزائِها مطابَقةً، فقولُنا: جاءني إنسانٌ وجاءني حيوانٌ ناطقٌ، كِلاهما من بابِ المساواةِ، وإنْ كان بينَهما تفاوتٌ من حيثُ الإجمالُ والتفصيلُ؛ لأنَّ كُلًّا تأديةٌ للمعنى المقصودِ بما وُضِعَ لأجزائِه مطابَقةً، وكذا قولُنا: سُقْيًا لِلْحُسَيْنِ وشُكرًا لهُ، مساوٍ لأصلِ المرادِ غيرِ ناقصٍ عنه؛ لأنَّ تقديرَ الفعلِ إنَّما هو لرعايةِ قاعدةٍ نحويَّةٍ، وهو أنَّه مفعولٌ مطلَقٌ لا بدَّ له من ناصبٍ، والعربُ القُحُّ تَفهَمُ أصلَ المرادِ من ذلكَ، وهو جَدُّ الحسينِ من غيرِ تقديرٍ، وهو متعارَفُ الأوساطِ أيضا. دسوقيٌّ. نعم قد يُقالُ للأكثرِ حروفًا: إنَّه مُطنَبٌ، وللأقلِّ: إنَّه مُوجَزٌ، وإن كان كلٌّ منهما على تفسيرِ الكتابِ مساواةً أو إيجازًا أو إطنابًا، فافْهَم.

(2) (قولُه: وهم الذينَ لم يَرْتَقُوا إلخ) ، المرادُ بهم العارفونَ باللغةِ وبِوُجوهِ صحَّةِ الإعرابِ دونَ الفصاحةِ والبلاغةِ، فيُعرِبونَ عن مرادِهم بكلامٍ صحيحِ الإعرابِ من غيرِ ملاحظَةِ النِّكاتِ التي يَقتضيها الحالُ، وتَختلِفُ العباراتُ بالطولِ والقِصَرِ بسببِ التصرُّفِ فيها؛ لأنَّهم إنَّما يَعرِفون اللفظَ الموضوعَ للمعنى، فعبارتُهم محدودةٌ بذلكَ، وليس في قُدرتِهم اختلافُ العباراتِ بالطُّولِ والقِصَرِ، بل اختلافُها بذلكَ إنَّما يكونُ من البُلغاءِ؛ بسببِ تَصرُّفِهم في لطائفِ الاعتباراتِ.

(3) (قولُه: الفهاهةُ) ، أي: العجْزُ عن الكلامِ.

(4) (قولُه: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ إلخ) ، مثالُ المساواةِ التي اقتضاها المقامُ؛ لكونِها الأصلَ، ولا مُقتضًى فيهِ للعُدُولِ عنه، لا لمطلَقِ المساواةِ، ولا لما جَرى بهِ عُرفُ أوساطِ الناسِ؛ إذ عدَمُ ملاحظةِ النِّكاتِ التي يَقتضيها الحالُ في الآيةِ بعيدٌ جدًّا، كيفَ والقرآنُ في أعْلَى طبقاتِ البلاغةِ، فافْهم.

(5) (قولُه: بعبارةٍ ناقصةٍ عنه) ، أي: عن مِقدارِ أصلِ المعنى المرادِ، إمَّا بإسْقَاطِ لفظٍ منهُ، أو التعبيرِ عن كلِّه بلفظٍ ناقصٍ عن ذلكَ المِقدارِ، فيَشملُ إيجازَ القِصَرِ وإيجازَ الحذْفِ. عبدُ الحكيمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت