فهرس الكتاب
والعيشُ خَيرٌ في ظِلا * لِ النَّوْكِ ممَّن عاشَ كدَّا
مرادُه أنَّ العيْشَ الرَّغَدَ [1] في ظلالِ الحُمْقِ خيرٌ من العيْشِ الشاقِّ في ظلِّ العقْلِ.
3 -والإِطنابُ، وهو تأديةُ المعنى بعبارةٍ زائدةٍ عنه مع الفائدةِ، نحوَ: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} ، أي كَبِرْتُ، فإذا لم تكنْ في الزيادةِ فائدةٌ سُمِّيَ تطويلًا إن كانت الزيادةُ غيرَ متعيِّنةٍ، وحشْوًا إن تعيَّنَتْ [2] ، فالتطويلُ، نحوَ:
* وأَلْفَى قولَها كَذِبًا ومَيْنًا *
والحشوُ، نحوَ:
* وأعلَمُ علْمَ اليومِ والأمسِ قبلَه *
(1) (قولُهُ: مرادُه أنَّ العيشَ الرَّغَدَ إلخ) ، أي: والبيتُ لا يَفِي بهذا المعنى المرادِ؛ لأنَّ اعتبارَ الرَّغَدِ في المِصراعِ الأوَّلِ، وفي ظِلالِ العقْلِ في المِصراعِ الثاني، لا دليلَ عليه، ولا نُسلِّمُ أنَّ القرينةَ هنا، وهي عدَمُ صِحَّةِ ظاهرِ الكلامِ، تَدُلُّ على تعيينِ ذلكَ المحذوفِ، سلَّمْنا أنَّها تَدُلُّ لكن دَلالةً ظنيَّةً لا يُهتدَى إليها إلَّا بمزيدِ نظَرٍ وتأمُّلٍ، فهو لا يَخْلُو عن الخلَلِ بهذا الاعتبارِ. هذا وذَكَرَ العلَّامةُ السِّيوطيُّ في شرْحِ عُقودِ الجُمانِ أنَّه لا إخلالَ في البيتِ، بل فيه النوعُ البديعيُّ المُسمَّى بالاحتباكِ؛ حيثُ حذَفَ من كلٍّ ما أَثْبَتَ مُقَابِلَه في الآخَرِ، فما ذَكَرَه في كلِّ محَلٍّ قرينةٌ للمحذوفِ من المحَلِّ الآخَرِ.
(2) (112) (قولُه: وحَشْوًا إن تَعيَّنَتْ) ، أي: سواءٌ أفْسَدَت المعنى كالنَّدَى في قولِ أَبي الطَّيِّبِ:
ولا فضْلَ فيها للشجاعةِ والنَّدَى ... * ... وصبْرِ الفَتَى لولا لقاءُ شَعوبِ
أي: لقاءُ الموتِ؛ فالنَّدَى وإن لم يكُنْ مدلولًا على معناهُ بغيرِه، إلَّا أنَّه غيرُ محتاجٍ إليه هنا، وهذا هو معنى الزيادةِ هنا، ومع هذا هو مُفْسِدٌ لمعنى البيتِ؛ وذلكَ لأنَّ عدَمَ الفضيلةِ على تقديرِ عدَمِ الموتِ إنَّما يَظْهَرُ في الشجاعةِ والصبْرِ؛ لِتَيَقُّنِ الشجاعِ بعدَمِ الهلاكِ، وتَيَقُّنِ الصابِرِ بزوالِ المكروهِ، بخلافِ الباذلِ مَالَهُ إذا تَيَقَّنَ بالخلودِ وعرَفَ احتياجَه إلى المالِ دائمًا؛ فإنَّ بذْلَهُ حينئذٍ أفضَلُ ممَّا إذا لم يَتَيَقَّنْ بالموتِ وتَخليفِ المالِ، فافْهَمْ. أو لم تُفْسِد المعنى كما في مثالِ الكتابِ؛ فإنَّ لفظَ قبلَه حَشْوٌ غيرُ مفسِدٍ، أمَّا كونُه غيرَ مفسِدٍ فظاهِرٌ، وأمَّا كونُه حشوًا؛ فلأنَّ الأمْسَ يَدُلُّ على القَبْلِيَّةِ لليومِ لدخولِها في مفهومِه، وهو متعيِّنٌ للزيادةِ؛ إذ لا يَصِحُّ عطْفُه على اليومِ كما عُطِفَ الأمسُ، بحيثُ يكونُ التقديرُ: وأعلَمُ عِلْمَ قبلِهِ بالإضافةِ إلَّا بالتعسُّفِ، وأيضًا المناسِبُ في مقابَلَةِ كلٍّ من الغدِ واليومِ هو ذكْرُ الأمسِ، لا لفظَ قبلَه، فيَتعيَّنُ للزيادةِ، فلا يُقالُ: هو كالميِّتِ بالنِّسبةِ للكذِبِ. ابنُ يعقوبَ.