فهرس الكتاب
ومن دواعي الإيجازِ تسهيلُ الحفْظِ، وتقريبُ الفهْمِ، وضِيقُ المقامِ، والإخفاءُ، وسآمةُ المحادَثةِ.
ومن دواعي الإطنابِ تثبيتُ المعنى، وتوضيحُ المرادِ، والتوكيدُ، ورفْعُ الإيهامِ.
(أقسامُ الإيجازِ)
الإيجازُ إمَّا [1] أن يكونَ بِتَضَمُّنِ العبارةِ القصيرةِ معانيَ كثيرةً، وهو مرْكَزُ عِنايةِ البُلغاءِ، وبه تَتفاوتُ أقدارُهم، ويُسَمَّى إيجازَ قِصَرٍ [2] ، نحوَ: قولِه تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ [3] حياةٌ} .
(1) (قولُه: الإيجازُ إلخ) ، أي: من حيثُ هو على ضَربَيْنِ؛ وذلكَ لأنَّ اللفظَ الناقصَ عن مقدارِ أصلِ المرادِ الوافي بذلكَ المعنى المرادِ قد يُنظَرُ فيه إلى كثرةِ معناهُ بدَلالةِ الالتزامِ أو التضمُّنِ من غيرِ أن يكونَ في نفسِ التركيبِ حذْفٌ يَتوقَّفُ عليه أصلُ المعنى المرادِ عُرفًا، ويُسمَّى بهذا الاعتبارِ إيجازَ القِصَرِ؛ لوجودِ الاقتصارِ في العبارةِ مع كثرةِ المعنى، وقد يُنظَرُ فيه من جهةِ أنَّ التركيبَ فيه حذْفٌ يَتوقَّفُ عليه فهْمُ أصْلِ المرادِ ويُتوصَّلُ إليه بسهولةٍ لا بتكلُّفٍ، وإلَّا كان إخلالًا، ويُسمَّى إيجازَ الحذْفِ. والفرْقُ بينَ إيجازِ الحذْفِ والمساواةِ ظاهرٌ، وكذا الفرْقُ بينَ مقامَيْهما؛ لأنَّ مقامَ المساواةِ هو مقامُ الإتيانِ بالأصلِ، ولا مُقتضًى للعُدُولِ عنه، ومقامُ إيجازِ الحذْفِ هو مقامُ حذْفِ أحدِ المُسْنَدَيْنِ أو المتعلِّقاتِ. وأمَّا الفرْقُ بينَ إيجازِ القِصَرِ والمساواةِ وبينَ مقامَيْهما فهو أنَّ المساواةَ ما جَرَى به عُرْفُ الأوساطِ الذينَ لا يَتنبَّهُونَ لإدماجِ المعاني الكثيرةِ في لفظٍ يسيرٍ، والإيجازُ بالعكْسِ، ومقامُ المساواةُ كثيرٌ، مثلَ أن يكونَ المخاطَبُ ممَّنْ لا يَفهمُ الإيجازَ، أو لا يَتعلَّقُ غرضُه بإدماجِ المعاني الكثيرةِ، ومقامُ الإيجازِ كتَعَلُّقِ الغرَضِ بالمعاني الكثيرةِ، ويكونُ الخِطابُ مع من يَتنبَّهُ لفهمِها ولا يُحتاجُ معهُ إلى بَسْطٍ.
(2) (114) (قولُه: قِصَرٌ) ، بكسْرِ القافِ على وزنِ عِنَبٍ.
(3) (115) (قولُه: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ) ، أي: في نفسِه حياةٌ، ولا يُقَدَّرُ في مشروعيَّتِه، وإلَّا كان فيه حذْفٌ، والموضوعُ أنَّه لا حذْفَ فيه، وأمَّا تقديرُ متعلِّقِ المجرورِ من فعْلٍ أو اسمِ فاعلٍ فلأمْرٍ لفظيٍّ، أي: لمراعاةِ القاعدةِ النَّحْويَّةِ المتعلِّقةِ بالتركيبِ، وهو أنَّ المجرورَ لا بدَّ له من متعلِّقٍ، ولم يُحتَجْ لتقديرِه؛ لعدَمِ احتياجِ إفادةِ المعنى في العُرْفِ إليه، وهذا ظاهِرٌ؛ فإنَّه لو قيلَ: زيدٌ كائنٌ في الدارِ، كان تطويلًا في عُرْفِ الاستعمالِ، وحَشْوًا في عُرْفِ البُلغاءِ؛ لأنَّ الواجبَ إسقاطُه، ولكم خيرٌ أوَّلُ، وفي القِصاصِ ثانٍ، وحياةٌ مبتدَأٌ مؤخَّرٌ؛ وذلكَ أنَّ معناهُ الذي قَصَدَ أن يُفيدَه ولو بالالتزامِ كثيرٌ، ولفظُه يسيرٌ؛ لأنَّه لمَّا دَلَّ بالمطابَقةِ على الحكْمِ بأنَّ القِصاصَ كانت فيه الحياةُ للناسِ، استُفيدَ منه أنَّ الحياةَ الكائنةَ في القِصاصِ ليست اتِّفاقيَّةً، وإلَّا ساواهُ كلُّ شيءٍ في صحَّةِ اتِّفاقِ وجودِ الحياةِ فيه، فتُؤُمِّلَ في وجهِ كوْنِه سببًا للحياةِ، فاستُفيدَ من حقيقتِه، التي هي أن يُقْتَلَ القاتلُ ظُلمًا، أنَّ ذلكَ إنَّما هو لِمَا جُبِلَتْ عليه النفوسُ من أنَّ الإنسانَ إذا عَلِمَ أنَّه إنْ قَتَلَ قُتِلَ وحدَهُ ولا يُقتَلُ غيرُه فيه لم يَترخَّصْ في أن يَفعلَ ما يُتلِفُ به نفسَه، فحينئذٍ يَنْكَفُّ عن القتْلِ فتَحْصُلُ له الحياةُ، وتَحْصُلُ معه للذي يَعزِمُ على قتلِه، والحياةُ الثانيةُ بهذا الوجهِ غالبيَّةٌ لا كُلِّيَّةٌ؛ لإمْكانِ الإقدامِ من السَّفِيهِ على إتْلافِ نفسِه، ثمَّ هذا المعنى يَسْتَوِي فيه جميعُ العقلاءِ، فعَمَّ ثبوتُ الحياةِ جميعَ الناسِ. وهذا المعنى كثيرٌ اسْتُفِيدَ من لفظٍ موجَزٍ، وقد نَطَقَتِ العربُ بكلامٍ قَصَدوا بهِ إفادةَ المعنى المُشارِ إليه في الآيةِ الكريمةِ على وجهِ الإيجازِ، وهو القتْلُ أَنْفَى للقَتْلِ، إلَّا أنَّ الآيةَ الكريمةَ تَفْضُلُ الكلامَ المذكورَ من وجوهٍ: أحدُها، أنَّ عِدَّةَ حروفِ ما يُناظِرُه منها، وهو في القِصاصِ حياةٌ، عَشَرَةٌ في التلفُّظِ، وعِدَّةَ حروفِه أربعةَ عشرَ. وثانيها، ما فيها من التصريحِ بالمطلوبِ الذي هو الحياةُ بالنصِّ عليها، فيكونُ أزْجَرَ عن القتلِ بغيرِ حقٍّ؛ لكونِه أَدْعَى إلى الاقتصاصِ. وثالثُها: ما يُفيدُه تَنكيرُ حياةٌ من التعظيمِ؛ وذلكَ لمنعِهم عمَّا كانوا عليه من قتْلِ جماعةٍ بواحدٍ، أو النوعيَّةِ وهي الحياةُ الحاصلةُ للقاتلِ بانكفافِه والمقتولِ بالكَفِّ عنه. ورابُعها، اطِّرادُها، بخلافِ قولِهم؛ فإنَّ القتْلَ الذي يَنْفِي القتْلَ هو ما كان على وجْهِ القِصاصِ لا غيرَه. وخامسُها، سلامتُها من التَّكرارِ الذي هو من عيوبِ الكلامِ، بخلافِ قولِهم. وسادسُها، استغناؤها عن تقديرِ محذوفٍ بخلافِ قولِهم؛ فإنَّ تقديرَه القتلُ أَنْفَى للقتْلِ من ترْكِه. وسابعُها، أنَّ القِصاصَ ضِدُّ الحياةِ، فالجمْعُ بينَهما إطباقٌ. وزادَ في الإيضاحِ وجْهًا آخَرَ، وهو جعْلُ القِصاصِ كالمنبَعِ والمعْدِنِ للحياةِ بإدخالِ في عليه، وهناك وجوهٌ أُخَرُ قد تَمَحَّلَها الناسُ. ومن هذا الضرْبِ من الإيجازِ آيةٌ حارَ جميعُ البُلغاءِ في فصاحتِها، وهي قولُه تعالى: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} ، أي لمَّا يَئِسُوا من يُوسُفَ وإجابتِه إيَّاهم اعتَزَلوا الناسَ خالصينَ لا يُخالطُهم أحدٌ، يَتناجَوْنَ في تدبيرِ أمرِهم وماذا يقولونَ لأبيهم في شأنِ أخيهم، ومنه أيضًا قولُه تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} ، فجَمَعَ مكارِمَ الأخلاقِ بأسرِها؛ لأنَّ في العَفْوِ صلةَ القاطعينَ، والصفْحَ عن الظالمينَ، وإعطاءَ المانِعينَ، وفي الأَمْرِ بالعُرْفِ تَقْوَى اللَّهِ، وصِلةَ الرحِمِ، وصَوْنَ اللسانِ عن الكذِبِ، وغَضَّ الطرْفِ عن الحُرُماتِ، والتبرُّؤَ من كلِّ قبيحٍ؛ لأنَّهُ لا يَجوزُ أن يَأمُرَ بالعُرفِ وهو يُلابِسُ شيئًا من المنكَرِ، وفي الإعراضِ عن الجاهلينَ الصبْرَ والحِلْمَ وتنزيهَ النفسِ عن مقابلَةِ السفيهِ بما يُوتِغُ الدِّينَ ويُسقِطُ القَدْرَ. ومثلُ هذا في الْقُرْآنِ كثيرٌ، ومنه قولُه صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ:"إِيَّاكُمْ وَخَضْرَاءَ الدِّمَنِ"، قيلَ: وما ذاكَ؟ قالَ:"الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ فِي الْمَنْبِتِ السُّوءِ". وقولُ الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ:
مَالُوا إلى شِعبِ الرِّحالِ وأَسنَدُوا ... * ... أيْدِي الطِّعانِ إلى قُلوبٍ تَخْفِقُ
فإنَّهُ لمَّا أرادَ أن يَصِفَ هؤلاءِ القومَ بالشجاعةِ في أثناءِ وَصْفِهم بالغرامِ عبَّرَ عن ذلكَ بقولِه أيدي الطِّعانِ.