الصفحة 60 من 86

وإمَّا أن يكونَ بحذْفِ كلمةٍ [1] أو جملةٍ أو أكثرَ مع قرينةٍ تُعَيِّنُ المحذوفَ، ويُسَمَّى إيجازَ حذْفٍ، فحذْفُ الكلمةِ كحذْفِ (لا) في قولِ امرئِ القيْسِ:

(1) (قولُه: بحذْفِ كلمةٍ) ، أي: اسمًا كانتْ أو فعْلًا أو حرفًا، عُمْدَةً كانتْ أو فَضْلَةً، فشَمِلَ حذفَ المُسْنَدِ إليه والمُسْنَدِ والمفعولِ غيرِ المضافِ. وحذْفُ المضافِ نحوَ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ، أي أهلَ القريةِ. وحذْفُ المضافِ إليه نحوَ: {كلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} ، وكذلكَ كلُّ ما قُطِعَ عن الإضافةِ ممَّا وَجَبَتْ إضافتُه معنًى لا لفظًا. وحذْفُ الموصوفِ نحوَ: أنا ابنُ جَلَا، أي: أنا ابنُ رجلٍ جَلَا، أي: ظَهَرَ وانْكشَفَ أمرُهُ واتَّضَحَ بحيثُ لا يُجْهَلُ، أو كَشَفَ معانيَ الأمورِ وبيَّنَها. وحذْفُ الصفةِ نحوَ: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} ، أي: كلَّ سفينةٍ صحيحةٍ أو سليمةٍ أو غَيْرِ مَعيبةٍ أو جيِّدةٍ أو نحوِ ذلكَ، بدليلِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا؛ فإنَّه يَدُلُّ على أنَّ الملِكَ كانَ لا يَأخذُ المَعيبةَ. وحذَفَ حرفَ النفيِِ بشرطِه المشارِ إليه بقولِه:

ويُحذَفُ نَافٍ مع شروطٍ ثلاثةٍ ... * ... إذا كانَ لا قبلَ المضارِعِ في قَسَمْ

كما في قولِه تعالى: {تَاللَّهِ تَفْتَؤُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} ، أي: لا تَفْتَؤُ إلخ. وبيتِ امرئِ القَيْسِ الآتي في الكتابِ. وقولُه: أو جملةٍ، يَشمَلُ حذْفَ الشرْطِ وحدَهُ نحوَ: إنْ خيرًا فخيرٌ، وحذْفَهُ معَ أداتِه بعدَ التمنِّي نحوَ: ليتَ لي مالًا أُنْفِقْهُ، أي: إنْ أُرْزَقْهُ أُنفِقْهُ، وبعدَ الاستفهامِ نحوَ: أيْنَ بيتُكَ أَزُرْكَ؟ أيْ: إنَّ تُعَرِّفْنِيهِ أَزُرْكَ، وبعدَ الأَمْرِ نحوَ: أكْرِمْني أُكْرِمْكَ، أي: إنْ تُكرِمْني أُكْرِمْكَ، وبعدَ النهيِ نحوَ: لا تَشتِمْنِي يَكُنْ خيرًا لكَ، أي: إنْ لا تَشتِمْنِي يَكُنْ خيرًا لكَ، وبعدَ العَرْضِ نحوَ: ألا تَنْزِلْ عندَنا تُصِبْ خيرًا، أي: إنْ تَنزِلْ عندَنا تُصِبْ خيرًا، وبعدَ الدُّعاءِ نحوَ:

ربِّ وفِّقْني فلا أعدِلْ عن ... * ... سَنَنِ السَّاعِينَ في خَيْرِ سَنَنْ

أي: إنْ تُوفِّقْني فلا أعْدِلْ إلخ، وبعدَ الالتماسِ نحوَ: أقْرِضْني دينارًا أقْضِ به لُبَانَتِي، وبعدَ الترَجِّي عندَ بعضِ النُّحاةِ نحوَ: لَعلِّي أُراجِعُ الشيخَ يُفْهِمْنِي المسألةَ، وبعدَ الخبرِ الذي بمَعْنَى الطلَبِ نحوَ: اتَّقِ اللَّهَ امرُؤٌ فعَلَ خيرًا يُثَبْ عليه، بِناءً على القَوْلِ بأنَّ الجزْمَ بعدَ هذهِ الأمورِ بالأداةِ المقدَّرَةِ مع فعْلِ الشرْطِ، وقيلَ: إنَّ الجازمَ نفسُ تلك الأمورِ من غيرِ حاجةٍ إلى تقديرِ شرْطٍ أَصْلًا؛ وذلكَ لتَضمُّنِها فعْلَ الشرْطِ وأداتِه، وقيلَ: الجزْمُ بهذه الأمورِ لنِيابتِها عن فعْلِ الشرْطِ وأداتِه من غيرِ تَضمينٍ، وهذانِ القولانِ متقاربانِ، وقيلَ: إنَّ الجازمَ لامٌ مُقدَّرَةٌ، وقولُه: (أو أَكْثَرَ) ، أي: من كلمةٍ، كحذْفِ الجارِّ والمجرورِ، نحوَ قولِه تعالى: {خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا} ، أي: بِسَيِّءٍ، {وَآخَرَ سَيِّئًا} ، أي: بصالحٍ، ومن بعدِ أفعَلَ التفضيلِ، كقولِكَ: اللَّهُ أكبرُ، أي: من كلِّ شيءٍ، حيثُ قُصِدَ التعميمُ في المفضَّلِ عليه لا نَفْسَ الزيادةِ، وإلَّا كان من إيجازِ القِصَرِ كما إذا قلتَ: زيدٌ أفضَلُ، وقطَعْتَ أفعلَ التفضيلِ عن متعلِّقِه، قَصْدِ النفسِ الزيادةَ، لا أنَّ تقديرَه: زيدٌ أفضلُ من كلِّ أحدٍ، مثلَ: قولِكَ: الناقصُ والأشجُّ أَعْدَلَا بَنِي مَرْوانَ، كأنَّكَ قُلْتَ: عَادِلا بني مَرْوانَ، فيكونُ كالفعْلِ المتعدِّي إذا جُعِلَ قاصرًا للمبالَغةِ نحوَ: فلانٌ يُعطِي ويَمنَعُ. أو أكثرَ من جملةٍ كمثالِ الكتابِ الآتي.

ويُشترَطُ في كونِ الحذفِ إيجازًا كما مَرَّ أمرانِ:

أحدُهما، أن يَتَوقَّفَ على المحذوفِ فَهْمُ أصْلِ المرادِ عُرْفًا،

والثاني أن يُتَوَصَّلَ إليه بسُهُولةٍ بأن تَدُلَّ عليه قرينةٌ قريبةٌ واضحةٌ لا بعيدةٌ خفيَّةٌ بحيثُ يكونُ الفَهْمُ منها تَعَسُّفًا وتَكلُّفًا، وإلَّا كان الحذْفُ إخلالًا. وإلى هذا الشرْطِ أشارَ في الكتابِ بقولِه: مع قرينةٍ تُعَيِّنُ المحذوفَ، ولا بُدَّ للحذفِ من نُكتَةٍ كمُجرَّدِ الاختصارِ في نحوِ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ، فحَذَفَ جوابَ الشرْطِ، أي: أَعرَضُوا، اختصارًا فِرارًا من العبَثِ لظهورِ المرادِ ممَّا بعدَهُ، وهو قولُه تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} ، وكونِ المحذوفِ كالجوابِ في قولِه تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ} ، تَرَى شيئًا لا يُحيطُ به الوصْفُ، وذلكَ عندَ قصْدِ المبالَغةِ؛ لكونِه أمرًا مَرهوبًا منه في مَقامِ الوعيدِ، أو مرغوبًا فيه في مَقامِ الوعْدِ.

والقرائنُ تَدُلُّ على هذا المعنى، ويَلزَمُ من كونِه بهذه الصفةِ نكتةٌ أُخْرَى وهي ذهابُ نفسِ السامعِ إنْ تَصَدَّى لتقديرِه كلَّ مذهَبٍ مُمكِنٍ، فما من شيءٍ يُقدِّرُه فيه إلَّا ويُحتَمَلُ أن يكونَ هناكَ أعظمُ من ذلكَ، فهذان النُّكْتتانِ، أعني كونَه لا يحيطُ به الوصْفُ، وكونَ نفسِ السامعِ تَذهبُ فيه كلَّ مذهَبٍ ممكِنٍ، مفهومُهما مختلِفٌ، ومصدوقُهما متَّحِدٌ، قد يَقصِدُهما البليغُ معًا، وقد يَخْطِرُ ببالِه أحدُهما فقطْ فتَنَبَّهْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت