الصفحة 61 من 86

فقلتُ يمينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا * ولو قَطَعُوا رأسي لديكِ وأوْصالي

وحذْفُ الجملةِ كقولِه تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ [1] رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} ، أي فتَأَسَّ واصْبِرْ.

وحذْفُ الأكثرِ، نحوَ: قولِه تعالى: {فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ [2] } ، أي أَرسِلوني إلى يُوسُفَ لِأَسْتَعْبِرَهُ الرُّؤيا، ففَعَلوا فأتاهُ وقالَ لهُ: يا يُوسفُ.

(أقسامُ الإطنابِ)

الإطنابُ يكونُ بأمورٍ كثيرةٍ:

(منها) ذكْرُ الخاصِّ بعدَ العامِّ [3] ، نحوَ: اجتَهِدوا في دروسِكم واللغةِ العربيَّةِ. وفائدتُه التنبيهُ على فضْلِ الخاصِّ [4] كأنَّهُ لرفعَتِه جنسٌ آخَرُ مُغايِرٌ لما قَبلَه.

(1) (قولُه: كقولِه تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ} إلخ، أي: فليسَ قولُه: فقدْ كُذِّبَتْ جزاءَ الشرطِ؛ لأنَّ تكذيبَ الرسُلِ متقدِّمٌ على تكذيبِه، ويَجبُ أن يكونَ مضمونُ الجوابِ مترتِّبًا على مضمونِ الشرْطِ، وإنَّما تكذيبُ الرسُلِ قبلَه سببٌ لمضمونِ الجوابِ المحذوفِ، وهو التأسِّي والصبرُ؛ وذلكَ لأنَّ المكروهَ إذا عَمَّ هانَ، فأُقيمَ ذلكَ السببُ مَقامَ الجوابِ المحذوفِ مع كوْنِ فعْلِ الشرطِ مضارعًا ليَسُوغَ حذفُهُ؛ إذ لا يُحذَفُ الجوابُ إذا كان فعْلُ الشرْطِ مضارِعًا ما لم يَقُمْ شيءٌ مقامَه. وبالجملةِ فالحذْفُ على وجهيْنِ: أن لا يُقامَ شيءٌ مقامَ المحذوفِ كما مَرَّ في قولِه: أنا ابنُ جَلَا إلخ، وقولِه: يمينَ اللَّهِ أَبْرَحُ إلخ، وسيأتي في قولِه تعالى: {فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ} ، وأنْ يُقامَ نحوَ: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ} إلخ.

(2) (118) قولُه: {فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} ، أي: فهذا الكلامُ حُذِفَ فيه خمْسُ جُمَلٍ مع ما لها من المتعلِّقاتِ، لا يَستقيمُ المعنى إلَّا بها، أشارَ المؤلِّفُ إلى تقديرِها بقولِه {إِلَى يُوسُفَ} إلخ، الأُولى لِأَسْتَعْبِرَهُ الرُّؤْيَا، أي: لأطلُبَ منهُ تعبيرَها وتفسيرَها، والثانيةُ ففَعَلوا، والثالثةُ فأَتَاه، والرابعةُ فقالَ له، والخامسةُ يا؛ فإنَّها نائبةٌ عن جملةِ أَدْعُو. وأمَّا قولُه: {إِلَى يُوسُفَ} فمتَعَلِّقُ أرْسِلُونِ المذكورِ، وقولُه: يُوسُفُ الذي هو المنادَى هو المذكورُ. قالَ اليَعقوبيُّ: ودليلُ تلكَ المحذوفاتِ ظاهرٌ؛ لأنَّ نداءَ يُوسُفَ يَقتضي أنَّهُ وَصَلَ إليه، وهو متوقِّفٌ على فعْلِ الإرسالِ والإتيانِ إليه، ثمَّ النداءُ محكيٌّ بالقولِ، ومعلومٌ أنَّه إنَّما طَلَبَ الإرسالَ للاستعبارِ. فحَذْفُ كلِّ ذلكَ اختصارٌ للعلْمِ بالمحذوفِ؛ لئلَّا يكونَ تطويلًا لعدَمِ ظهورِ الفائدةِ في ذكْرِه مع العِلْمِ به. دسوقيٌّ.

(3) (119) (قولُه: منها ذكْرُ الخاصِّ بعدَ العامِّ) ، يعني على سبيلِ العطْفِ بخصوصِ الواوِ، كمثالِ الكتابِ، أو بحتَّى نحوَ: ماتَ كلُّ أبٍ لي حتَّى آدمُ؛ لأنَّهُ هو المفتَقِرُ لما ذكَرَه المؤلِّفُ بعدُ في فائدتِه من اعتبارِ التغايُرِ. وأمَّا ذكْرُهُ على سبيلِ البدَلِ أو غيرِه ممَّا ليس بعطْفٍ فلا يَفتقِرُ إلى ذلكَ؛ لأنَّه متَّصِلٌ بما قبلَه على نيَّةِ طرْحِ الأوَّلِ أو لا، فكيفَ يُعتَبَرُ فيه ما يُوجِبُ كونَه جِنسًا آخَرَ. ابنُ يعقوبَ.

(4) (قولُه: التنبيهُ على فضْلِ الخاصِّ) ، أي: أو انحطاطُه، وقولُه: (كأنَّهُ لرِفعتِه) ، أي: أو خِسَّتِه جنسٌ آخَرُ إلخ، بمعنى أنَّه لمَّا امتازَ عن سائرِ أفرادِ العامِّ بما له من الأوصافِ الشريفةِ أو الرذيلةِ صارَ كأنَّه شيءٌ آخَرُ مغايِرٌ لأفرادِ العامِّ بحيثُ لا يَشْمَلُه ذلكَ العامُّ، ولا يُعلَمُ حكْمُه منه تنزيلًا للتغايُرِ في الوصْفِ منزِلةَ التغايُرِ في الذاتِ على حدِّ ما سَلَكَهُ المتنبِّي في قولِه:

فإن تَفُق الأنامَ وأنتَ منهم ... * ... فإنَّ المِسْكَ بعضُ دَمِ الغَزَالِ

وبذلكَ صَحَّ ذكرُهُ على سبيلِ العطْفِ المقْتَضِي للتغايُرِ. نعم هذا مبْنِيٌّ على الراجِحِ عندَ الأصوليِّينَ من أنَّ عطْفَ الخاصِّ على العامِّ ليس بتخصيصٍ، وأمَّا على مُقابِلِه من أنَّهُ تخصيصٌ؛ لأنَّ العطْفَ عليه يُبَيِّنُ أنَّ هذا الخاصَّ لم يُرَدْ بالأوَّلِ، فلا حاجةَ للتنزيلِ فافْهَمْ. ابنُ يعقوبَ بزيادةٍ من عَرُوسِ الأفراحِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت