الصفحة 63 من 86

وإن امْرأً دامَتْ مواثيقُ عهْدِه * على مِثلِ هذا إنَّهُ لكريمُ

وكزيادةِ الترغيبِ في العفوِ في قولِه تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وكتأكيدِ الإنذارِ في قولِه تعالى: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُون [1] ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} .

(ومنها) الاعتراضُ، وهو تَوسُّط لفظٍ [2] بينَ أجزاءِ جملةٍ أو بينَ جملتينِ مرتبطَتينِ معنًى لغرَضٍ [3] ، نحوَ:

(1) (125) (قولُه: في قولِه تعالى: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} إلخ) ، وذلكَ أنَّ المخاطَبِينَ لمَّا تَكاثَروا في الأموالِ وأَلهاهُمْ ذلكَ عن عِبادةِ اللَّهِ {حَتَّى زَارُوا الْمَقَابِرَ} ، أي: ماتوا، زَجَرَهم اللَّهُ عن الانْهِمَاكِ في تحصيلِ الأموالِ، ونَبَّهَهم على أنَّ اشتغالَهم بتحصيلِها وإعراضَهم عن الآخرةِ خطأٌ منهم بقولِه: {كَلَّا} ؛ فإنَّها هنا مُفيدةٌ للردْعِ والزجْرِ، وخوَّفَهم على ارتكابِ ذلكَ الخطأِ بقولِه: سوف تَعلمونَ، وفي تكريرِه تأكيدٌ للردْعِ والإنذارِ، وفي ثُمَّ دَلالةٌ على أنَّ الإنذارَ الثانيَ أبْلغُ وأشدُّ من الأوَّلِ باعتبارِ زيادةِ اهتمامِ المنذَرِ به، لا باعتبارِ أنَّه زادَ شيئًا في المفهومِ تنزيلًا لبُعدِ المَرْتبةِ منزِلةَ بُعْدِ الزمانِ، واستعمالًا للفْظِ ثُمَّ في مجرَّدِ التدرُّجِ في دَرَجِ الارتقاءِ، لا يُقالُ: حيثُ كانت الثانيةُ تأكيدًا كان بينَ الجملتيْنِ كمالُ الاتِّصالِ، فكيفَ تُعطَفُ على الأولى؟ لأَنَّا نقولُ: قد مَرَّ أنَّ الاتِّحادَ التامَّ إنَّما يَمنَعُ من العطفِ بالواوِ دونَ العطْفِ بغيرِها، فلا يَضُرُّ العطْفُ به معه.

(2) (126) (قولُه: وهو توسُّطُ لفظٍ إلخ) ، أي: جملةٍ فأكثرَ بشَرْطِ أن لا يكونَ للجملةِ، وكذا الجمَلِ، مَحلٌّ من الإعرابِ جَزمًا ليُخرجَ التَّتمِيمَ لوجودِ الإعرابِ فيه.

(3) (وقولُه: لغَرَضٍ) ، أي: يُشترَطُ أن تكونَ تلكَ الجملَةُ أو الجمَلُ المعترِضةُ لغرضٍ سِوى دفْعِ الإيهامِ، ليُخرِجَ بعضَ صُوَرِ التكميلِ، وهو ما يكونُ بجملةٍ أو أكثرَ في الأَثْناءِ؛ لأنَّه لدَفعِ الإيهامِ، وذلكَ الغرَضُ إمَّا الدعاءُ كما في البيتِ، وإمَّا التنزيهُ كما في الآيةِ، وإمَّا تَخَصُّصُ أحَدِ المذكورَيْنِ لزيادةِ تأكيدٍ في أمْرٍ عُلِّقَ بهما، نحوَ: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} ، وَإِمَّا الاستعطافُ والمطابَقةُ كما في قولِ أبي الطيِّبِ:

وخُفوقُ قلبي لو رأيتِ لَهِيبَهُ ... * ... يا جَنَّتِي لرأَيْتِ فيه جَهنَّمَا

فقولُه: يا جنَّتي، اعتراضٌ بينَ الشرْطِ والجزاءِ للمطابَقةِ بينَ الجنَّةِ وجهنَّمَ، ولاستعطافِ محبوبِه بالإضافةِ للياءِ، وتسميتُه جَنَّةً لِيَرِقَّ له فيُنجِيهِ من جَهنَّمَ التي في فؤادِه بالوِصالِ، وإمَّا التنبيهُ للمخاطَبِ على أمرٍ يؤكِّدُ الإقبالَ على ما أَمَرَ به، كما في قولِه:

واعلَمْ فعِلْمُ المرْءِ يَنْفَعُهُ ... * ... أنْ سوفَ يأتي كلُّ ما قُدِّرَا

قولُه: فعِلْمُ المرءِ يَنفعُه، اعتراضٌ بينَ اعلَمْ ومفعولِه؛ لأجْلِ تنبيهِ المخاطَبِ على أمْرٍ يؤكِّدُ إقبالَه على ما أَمَرَ به؛ وذلكَ لأنَّه ممَّا يَزيدُ المخاطَبَ إقبالًا على طَلَبِ العلْمِ، فالفاءُ فيه اعتراضيَّةٌ، ومع ذلكَ لا تَخلُو هنا عن شائبةِ السببيَّةِ، فعُلِمَ أنَّ الاعتراضَ يَكونُ مع الفاءِ كما يكونُ مع الواوِ وبدونِهما. وجميعُ ما ذُكِرَ أمثلةٌ للاعتراضِ بينَ أجزاءِ الجملةِ. ومن الاعتراضِ الواقعِ بينَ كلامَيْنِ متَّصِليْنِ، وهو أكثرُ من جملةٍ أيضًا، قولُه تعالى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِسُاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} ، فقولُه: نساؤكم حَرْثٌ لكم، بيانٌ لقولِه: فَأْتُوهُنَّ من حيثُ أمَرَكُم اللَّهُ، فهيَ كَلامانِ متَّصلانِ وَقَعَ ما بينَهما، وهو كلامٌ يَشتمِلُ على جملتيْنِ اعتراضًا، ونُكتَتُهُ تنبيهُ المخاطَبِ على أمرٍ يؤكِّدِ الإقبالَ على ما أَمَرَ به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت