الصفحة 64 من 86

إنَّ الثمانين وبُلِّغْتُهَا ... * قد أَحْوَجَتْ سمْعِي إلى تَرْجُمانِ

ونحوَ قولِه تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} .

(ومنها) التذييلُ، وهو تعقيبُ الجملةِ بأُخرى [1] تَشتمِلُ على معناها تأكيدًا لها، وهو إمَّا أن يكونَ جاريًا مَجْرَى المَثَلِ لاستقلالِ معناهُ [2] واستغنائِه عمَّا قبلَه [3] ، كقولِه تعالى: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} ، وإما أن يكونَ غيرَ جارٍ مَجْرَى المَثَلِ لعدَمِ استغنائِه عمَّا قبلَه كقولِه تعالى: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} [4] .

(1) (128) (قولُه: وهو تَعقيبُ الجملةِ بأُخرى إلخ) ، أي: جعَلَ الجملةَ عَقِبَ الأُخرى، وقولُه: بأُخرى، أي: بجملةٍ أخرى، بشرطِ أن لا يكونَ لها محَلٌّ من الإعرابِ، وقولُه: (تَشتمِلُ على معناها) ، أي من وصْفِ تلكَ الجملةِ المذيَّلِ بها إنها تَشتمِلُ على معنى الجملةِ الأُولى، وقولُه: (تأكيدًا) أي لقَصْدِ التوكيدِ بتلكَ الجملةِ الثانيةِ، وذلكَ عندَ اقتضاءِ المَقامِ للتأكيدِ، فبَيْنَهُ وبينَ الإيغالِ، الذي هو خَتْمُ الكلامِ بما يُفيدُ نُكتةً يَتمُّ المعنى بدونِها، عمومٌ من وجهٍ، فيَجتمعانِ في قولِه تعالى: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} ، فهوَ إيغالٌ من جهةِ أنَّه خَتَمَ الكلامَ بما فيه نكتةٌ يَتمُّ المعنى بدونِها، وتَذييلٌ من جهةِ أنَّه تَعقيبُ جملةٍ بأُخرى تَشتمِلُ على معناها للتأكيدِ، ويَنفردُ الإيغالُ فيما يكونُ بغيرِ جملةٍ ولغيرِ التأكيدِ كما في قولِه:

كأنَّ عُيونَ الوَحشِ حَولَ خِبائِنا ... * ... وأَرجلَنا الجِزْعُ الذي لم يُثْقَبِ

ويَنفردُ التذييلُ فيما يكونُ في غير ختْمِ الكلامِ للتأكيدِ بجملةٍ كقولِكَ: مدَحْتُ زيدًا أَثنَيْتُ عليه بما فيه فأحسَنَ إليَّ، ومَدَحْتُ عُمَرَ أثْنَيْتُ عليه حتَّى بما ليسَ فيه فأساءَ إليَّ ا. هـ. ابنُ يعقوبَ.

(2) (قولُه: لاستقلالِ معناهُ) ، اقتَصَرَ على الاستقلالِ ولم يَذكُرْ معه فُشُوَّ الاستعمالِ كما فعَلَ السعْدُ اعتمادًا على قَوْلِ ابنِ يعقوبَ، الحقُّ أنَّ المشترَطَ في جَرَيَانِه مَجرَى الأمثالِ هو الاستقلالُ، وأمَّا فُشُوُّ الاستعمالِ فلا دليلَ على اشتراطِه فيه ا. هـ.

(3) (وقولُه: واستغنائِه عمَّا قبلَهُ) ، أي: بأنْ يكونَ غيرَ متَقيَّدٍ بالجملةِ الأُولى، وهو عطْفُ لازمٍ على ملزومٍ.

(4) قولُه: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} ، أي: بِناءً على أنَّ المُرادَ: وهل يُعاقَبُ ذلكَ العقابَ المخصوصَ، أو المرادَ: وهل يُكافَأُ بتلكَ المكافأةِ المخصوصةِ، إلَّا الكفورُ، وأمَّا إذا كان المعنى: وهل يُعاقَبُ مُطلَقَ العقابِ، أو المعنى: وهل يُكافأُ بالشَّرِّ مُطلَقًا إلَّا الكفورُ، فإنَّه على كلٍّ من المعنييْنِ يكونُ من المستقلِّ الجاري مَجرى الأمثالِ، لا يُقالُ: إنَّ الجزاءَ في {وَهَلْ نُجَازِي} ، إنْ فُسِّرَ بالمكافأةِ كانَ شاملًا للثوابِ والعقابِ، وتخصيصُه بالعقابِ إنَّما يُفهَمُ من قولِه جَزَيْناهم الذي هو بمعنى عاقَبْنَاهم، فلا يكونُ قولُه: {وَهَلْ نُجَازِي إلَّا الْكَفُورَ} مُستقلًّا، سواءٌ كان المرادُ المكافأةَ المخصوصةَ، أي: العقابَ الأشدَّ، أو المكافأةَ بالشرِّ مُطلَقًا؛ لأَنَّا نقولُ: كونُ جَزَيناهم قرينةً على تقييدِ المُكافأةِ بالشرِّ مُطلَقًا لا يُنافِي الاستقلالَ بالإفادةِ على أنَّ ذلكَ يُفهَمُ من الكفورِ أيضًا، فافْهَم. ابنُ يعقوبَ بتوضيحٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت