فهرس الكتاب
(ومنها) الاحتراسُ [1] ، وهو أن يُؤتَى في كلامٍ يُوهِمُ خلافَ المقصودِ بما يَدفَعُهُ [2] ، نحوَ:
فَسَقَى ديارَكِ [3] غيرَ مفسِدِها * صَوْبُ الربيعِ ودِيمةٌ تَهْمِي
(1) (قولُه: الاحتراسُ إلخ) ، سُمِّيَ هذا النوعُ بذلكَ؛ لأنَّ حَرَسَ الشيءَ حَفِظَهُ، وهذا النوعُ فيه حفْظٌ للمعنى ووقايةٌ له من تَوَهُّمِ خلافِ المقصودِ، ويُسَمَّى بالتكميلِ أيضًا لتكميلِه المعنى بدَفْعِ إيهامِ خلافِ المقصودِ عنه.
(2) (قولُه: بما يَدْفَعُه) ، أي: يَدْفَعُ إيهامَ خلافِ المقصودِ، وذلكَ الدافعُ قد يكونُ في وسَطِ الكلامِ، وقد يكونُ في آخرِهِ، وقد يكونُ في أوَّلِه، وفي كلٍّ إمَّا أنْ يكونَ جملةً أو مُفرَدًا، فبينَهُ وبينَ الإيغالِ عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ؛ لاجتماعِهما فيما يكونُ في الختْمِ لدفْعِ إيهامِ خلافِ المقصودِ، وانفرادِ الإيغالِ فيما ليس فيه دفْعُ إيهامِ خلافِ المقصودِ، كما في قولِها:
وإنَّ صَخْرًا لتَأَتَمُّ الهُداةُ به ... * ... كأنَّهُ عَلَمٌ في رأسِه نارُ
وانفرادُ الاحتراسِ بما في الوسَطِ كما في قولِه: ... فَسَقَى دِيارَكَ إلخ ... ، وهو أعمُّ مُطلَقًا من التذييلِ؛ إذ الاحتراسُ كما يَدفَعُ ما يُوهِمُه الكلامُ كذلكَ يَدفَعُ تَوَهُّمَ السامعِ أنَّ الكلامَ مجازٌ، ويَدفَعُ سَهوَهُ أو غفْلَتَه عن السماعِ. والْحَقُّ الفرْقُ بينَ الدفْعِ الأوَّلِ والثاني والثالثِ والتذييلِ إنَّما يَدفَعُ الأوَّلَ فقطْ، وأيضًا الاحتراسُ يكونُ بغيرِ جملةٍ بخلافِ التذييلِ، فافْهَمْ. والاحتراسُ يُبايِنُ التَّكرارَ والإيضاحَ كمُبايَنةِ الإيغالِ والتذييلِ لهما. ابنُ يعقوبَ ودسوقيٌّ بتصرُّفٍ وحذْفٍ.
(3) (قولٌه نحوَ: فَسَقَى دِيَارَكَ إلخ) ، فصَوْبُ الربيعِ، أي: نُزُولُ المطَرِ ووقوعُهُ في الربيعِ، فاعلُ سَقَى، وغيرَ مُفسدِها نُصِبَ على الحالِ من الفاعلِ المذكورِ أَتَى به وهو مفرَدٌ لا جُملةٌ في وسَطِ الكلامِ بينَ الفعْلِ وفاعلِه لدَفْعِ إيهامِ خلافِ المقصودِ من حيثُ إنَّ المطَرَ قد يَؤُولُ إلى خَرابِ الديارِ وَفَسادِها، وقولُه: ودِيمةٌ بكَسْرِ الدالِ المطَرُ المسْتَرْسِلُ، وأقلُّه ما بَلَغَ ثُلثَ النهارِ أو الليلِ، وأكثرُه ما بَلَغَ أسبوعًا، وقيلَ المطَرُ الدائمُ الذي لا رَعْدَ فيه ولا بَرْقَ، وقولُه: تَهْمِي بفتْحِ التاءِ من هَمَى الماءُ والدَّمْعُ إذا سالَ، ولم يُقَيِّد الدِّيمةَ بزَمنِ الربيعِ كما قَيَّدَ الصوبَ؛ ليكونَ العطْفُ من قبيلِ عطْفِ العامِّ، واللَّهُ سبحانَه وتعالى أَعلَمُ.