فهرس الكتاب
(علْمُ البيانِ)
البيانُ علْمٌ يُبحَثُ فيه عن التشبيهِ والمجازِ والكنايةِ [1]
(1) (عِلْمُ البيانِ)
(135) (قولُه: يُبحَثُ فيه عن التشبيهِ والمجازِ والكنايةِ) ، أي: من حيثُ تأتي اختلافُ الطُّرُقِ، أي: التراكيبِ، في الوضوحِ بكلٍّ منها في أداءِ أيِّ معنًى يَقصِدُ المتكلِّمُ مُطابقتَه لمُقتَضَى الحالِ. أمَّا التشبيهُ فتَأتِي اختلافُ الطرُقِ في الوضوحِ به بِبُعْدِ وجهِ الشبَهِ ودِقَّتِه، وذلكَ إمَّا أن يكونَ لكثرةِ التفصيلِ في الوجهِ بأن يُعتَبَرَ فيه ما يَزيدُ على وصْفٍ واحدٍ. وإمَّا من جهةِ وجودِ الكلِّ لموصوفٍ واحدٍ، كما في تشبيهِه الشمسَ بالمرآةِ في كفِّ الأشَلِّ؛ فإنَّ وجهَه كثيرُ التفصيلِ لما فيه من الإشراقِ والاستدارةِ وغيرِ ذلكَ؛ ولذلكَ لا يَقَعُ في نفسِ الرائي للمرآةِ الدائمةِ الاضطرابُ إلَّا بعدَ أن يَستأنِفَ تأمُّلًا ويكونَ في نظرِه متَمَهِّلًا. وإمَّا من جهةِ وجودِ البعضِ وعدَمِ البعضِ لموصوفٍ واحدٍ كتشبيهِ سِنانِ الرُّمْحِ بِسَنَا اللَّهَبِ في قولِه:
حَمَلْتُ رُدَيْنِيًّا كأنَّ سِنانَهُ ... * ... سَنا لهبٍ لم يَتَّصِلْ بدُخَانِ
فاعتُبِرَ في اللَّهبِ، وهو موصوفٌ واحدٌ، الشكلُ واللونُ واللمَعانُ ونفيُ الاتِّصالِ بالدخَانِ. وإمَّا من جِهةِ عدَمِ الكلِّ لموصوفٍ واحدٍ، كتشبيهِ الشخصِ العديمِ النفْعِ بالعدمِ في نفيِ كلِّ وصفٍ نافعٍ. وقِسْ على ما ذُكِرَ وجودَ الكلِّ، أو وجودَ البعضِ وعدَمَ البعضِ، أو عدَمَ الكلِّ لموصوفَيْنِ أو ثلاثةٍ أو أكثرَ. وإمَّا أن يكونَ بُعدُ وجهِ الشبَهِ ودِقَّتُه لِنُدورِ حُضورِ المشبَّهِ به، إمَّا عندَ حضورِ المشبَّهِ لبُعدِ المشابهَةِ كما في تَشبيهِ البنفسِجِ بنارِ الكِبريتِ في قولِه:
ولازَوَرْدِيَّةٍ تَزهُو بزُرقَتِها ... * ... بينَ الرياضِ على حُمْرِ اليَواقيتِ
كأنَّها فوقَ قَاماتٍ ضَعُفْنَ بها * ... أوائلُ النارِ في أطرافِ كِبريتِ
فإنَّ نارَ الكِبريتِ في ذاتِها غيرُ نادرةِ الحضورِ في الذهْنِ، لكنَّها تَنْدُرُ عندَ حضورِ البنفسِجِ، فالشأنُ في هذا التشبيهِ أنْ لا يَتَّضِحَ الانتقالُ فيه إلَّا بِروِيَّةٍ وبصيرةٍ ولو ممن يَعْرِضُ له حضورُ الطرَفَيْنِ عندَه حالَ التشبيهِ. وإمَّا مُطلَقًا؛ لكونِ المشبَّهِ به وَهميًّا، وهو ما لا وجودَ له ولا لأجزائِه في الخارجِ، لكنَّه لو وُجدَ في الخارجِ وأُدرِكَ لكان مدْرَكًا بإحدى الحواسِّ الخمْسِ الظاهرةِ كما في قولِه:
أيَقتُلُنِي والمَشْرِفِيُّ مُضاجِعِي ... * ... ومَسنونةٌ زُرقٌ كأنياب ِأغوالِ
فإنَّّّ أنيابَ الأغوالِ ممَّا لا يُدركُه الحِسُّ؛ لعدَمِ تَحقُّقِها، مع أنَّها لو أُدرِكَتْ لم تُدرَكْ إلَّا بحِسِّ البصَرِ أو خياليًّا، وهو المعدومُ الذي فُرِضَ مجتَمِعًا من أمورٍ كلُّ واحدٍ منها ممَّا يُدرَكُ بالحِسِّ كما في قولِه:
وكأنَّ مُحْمََّر الشقيقِ * ... إذا تَصَوَّبَ أو تَصَعَّدْ
أعلامُ ياقوتٍ نُشِرْ ... * ... نَ على رماحٍ من زَبَرْجَدْ
فإنَّ كلًّا من العَلَمِ والياقوتِ والرمْحِ والزبَرجَدِ محسوسٌ، لكنَّ المرَكَّبَ الذي هذه الأمورُ مادَّتُه ليس بمحسوسٍ؛ لأنَّه ليس بموجودٍ فلا يُدرِكُ كلاًّ من المشبَّهِ بهِ الوهميِّ والخياليِّ ليُشَبِّهَ بهِ إلَّا المتَّسِعُ في المداركِ فيَستحضِرُه في بعضِ الأحيانِ، فيكونُ إدراكُ تعلُّقِ وجهِ الشبَهِ نادرًا غيرَ مألوفٍ. أو مركَّبًا عقليًّا، كمَثَلِ الحمارِ يَحمِلُ أَسفارًا؛ فإنَّ المرادَ بالمَثَلِ الصفةُ، والصفةُ قد اعتُبِرَ فيها كونُ الحِمارِ حامِلًا لشيءٍ، وكونُ المحمولِ أبلَغَ ما يُنتَفَعُ به، وكونُه مع ذلكَ محرومَ الانتفاعِ به، وكونُ الحِمْلِ بمشقَّةٍ وتعَبٍ، وهذه الاعتباراتُ المدلولةُ للصفةِ عقليَّةٌ وإن كان متعلِّقُها حِسِّيًّا. وهذه الاعتباراتُ المشارُ إليها لا يَكادُ يَستحضِرُها مجموعةً إلَّا الخواصُّ، ولا يحصُلُ سرعةُ الانتقالِ إلَّا نادرًا. وإمَّا أن يكونَ بُعدُ الوجْهِ ودِقَّتُه لقِلَّةِ تَكَرُّرِ المشبَّهِ به على الحِسِّ، كقولِه:
* والشمسُ كالمِرآةِ في كفِّ الأشَلِّ *
فإنَّ الرجُلَ رُبَّما يَنقضِي عُمْرُه ولا يَتَّفقُ له أن يَرَى مِرآةً في يدِ الأشلِّ، فالغرابةُ في تشبيهِ الشمسِ بالمرآةِ في كفِّ الأشلِّ من وجهيْنِ: كثرةُ التفصيلِ في الوجهِ، وقِلَّةُ تَكرارِ المشبَّهِ به على الحِسِّ المقتَضِي نُدرةَ حضورِه في الذهْنِ، فيَنْدُرُ التفاتُ الذهْنِ إلى ما يَجمعُهما، ويَصلُحُ سببًا للتشبيهِ بينَهما. وأمَّا المجازُ والكنايةُ فتأتي اختلافُ الطرُقِ في الوضوحِ بكلٍّ منهما؛ لكوْنِ كلٍّ عبارةً عن استعمالِ اللفظِ في جزءِ معناهُ الأصليِّ أو لازمِه بأن يُرادَ به نفسُ الجزءِ أو اللازمِ، إمَّا مع القَرينةِ المانِعةِ من إرادةِ المعنى المطابَقِيِّ كما في المَجازِ، وإمَّا مع القرينةِ الغَيْرِ المانِعةِ من إرادتِه كما في الكنايةِ، فدَلالةُ كلٍّ منهما إمَّا تَضَمُّنيَّةٌ أو التزاميَّةٌ، وكلٌّ من الدَّلالتيْنِ يَتأتَّى به إيرادُ المعنى الواحدِ بطُرقٍ مختلِفةٍ في وضوحِ الدَّلالةِ عليه بسببِ تَفاوُتِ التراكيبِ في كلٍّ بحسْبِ الذاتِ، أمَّا في التضَمُّنيَّةِ؛ فلِأنَّ الذِّهْنَ يَنتقلُ من اللفظِ إلى الكلِّ أوَّلًا، ومن الكلِّ إلى الجزءِ ثانيًا، ومن الجُزءِ إلى جُزءِ الجُزءِ ثالثًا. فَفِي دَلالةِ اللفظِ على جزءِ المعنى انتقالانِ، وعلى جزءِ جزئِه ثلاثةٌ. وكوْنُ فَهْمِ الجزءِ سابقًا على فَهْمِ الكلِّ مَحلَّهُ إذا أُريدَ باللفظِ معناهُ المطابَقِيُّ، فيكونُ فَهْمُه موقوفًا على فَهْمِ أجزائِه، أمَّا إذا أُريدَ باللفظِ نفسُ الأجزاءِ بعدَ تحويلِه من مجموعِه، فكَوْنُ الجزءِ أَقْرَبَ ما يُستعمَلُ فيه اللفظُ ويُفهَمُ منه عندَ الاستعمالِ دونَ جزءِ الجزءِ ظاهرٌ؛ إذ ليسَ فيه بهذا الاعتبارِ إلَّا طلَبُ أقربِ الأجزاءِ وأقربِ اللوازمِ ليُستعمَلَ له اللفظُ، ويَتبَعُ ذلكَ سهولةُ الفهْمِ على السامعِ، بمعنى أنَّ انتقالَ السامعِ إلى فَهْمِ الجزءِ من لفظِ الأصلِ تَبَعًا لإرادةِ المستَعْمِلِ قريبٌ، أو طَلَبُ أبعدِها فيَتْبَعُ ذلكَ صعوبتُه على السامعِ فيَصْعُبُ. أمَّا في الالتزاميَّةِ؛ فلأنَّ الذهْنَ يَنتقِلُ من ملاحظَةِ اللفظِ إلى ملاحظَةِ الملزومِ أوَّلًا، ومن الملزومِ إلى اللازمِ
ثانيا، ومن اللازمِ إلى لازمِ اللازمِ ثالثًا. ففي دَلالةِ اللفظِ على لازمِ المُسمَّى انتقالانِ، وعلى لازمِ لازمِه ثلاثةٌ، وتَزيدُ الالتزاميَّةُ بحصولِ تفاوتِ التراكيبِ فيها بحسْبِ الزمانِ بأنْ يكونَ زمنُ الانتقالِ من الملزومِ إلى اللازمِ في بعضٍ أطْوَلَ من زمنِ الانتقالِ في بعضٍ آخَرَ؛ بسببِ خَفاءِ القراءةِ ووضوحِها، والمرادُ باللازمِ التابعُ الفرْعُ، وبالملزومِ المتبوعُ الذي هو الأصْلُ، معتبَرًا في كلٍّ منهما اللازميَّةَ، فيَشمَلُ ما قرَّرناهُ في وجْهِ تَأَتِّي اختلافِ الطرُقِ في الالتزاميَّةِ استعمالَ لفظِ اللازمِ ليُنْتَقَلَ منهُ إلى الملزومِ، كوصْفِ زيدٍ بهُزَالِ الفَصيلِ، أو بجُبْنِ الكلْبِ، أو بكَثْرَةِ الرمادِ، ليَنْتَقِلَ منه إلى الملزومِ الذي هو الاتِّصافُ بالجُودِ. واستعمالَ ملزومٍ لشيءٍ في ملزومٍ لشيءٍ آخَرَ بينَ اللازمَيْنِ تشابُهٌ، نحوَ: رأيتُ أسدًا يَتكلَّمُ. كما شَمِلَ استعمالَ لفظِ الملزومِ ليُنْتَقَلَ منهُ إلى اللازمِ، وليس المرادُ هنا اللازمَ الأعمَّ؛ إذ لا يُنْتَقَلُ منه. ابنُ يعقوبَ بتَصرُّفٍ وزيادةٍ.
ووجْهُ تَخصيصِ الالتزاميَّةِ بذلكَ هوَ أنَّ اللازمَ البعيدَ قد يكونُ بسببِ وضوحِ القرينةِ أوضَحَ من اللازمِ القريبِ، ألا تَرى أنَّ قرينةَ مدْحِ زيدٍ بالكرَمِ واضحَةٌ في دَلالةِ كثرةِ الرمادِ على الكرَمِ مع كونِه لازِمًا بعيدًا، وخَفيَّةٌ في دَلالةِ هُزالِ الفَصيلِ وجُبْنِ الكلبِ عليه مع كونِه أقربَ لزومًا لها من كثرةِ الرمادِ، كما يُؤخَذُ من ابنِ يعقوبَ والدُّسوقيِّ. ولا يَتأتَّى مِثلُ هذا في دَلالةِ التضَمُّنِ. كذا يَظهَرُ من كلامِهم، لكنَّ مُقتَضَى قَولِ الدُّسوقيِّ أنَّ المعتَبرَ في التضمُّنيَّةِ التفاوتُ بحسْبِ الذاتِ لا بحسْبِ الزمانِ ا. هـ.
إنَّ التفاوتَ الزمانيَّ مُتأتٍّ في التضمُّنيَّةِ أيضًا، إلَّا أنَّه غيرُ معتَبرٍ. وعليه فالخفاءُ في كلٍّ من الدَّلالتيْنِ، والوضوحُ بخفاءِ كلٍّ من العَلاقةِ والقَرينةِ ووضوحِه، فتَحَصَّلَ من هذا أنَّ التشبيهَ مَقْصِدٌ بِرأْسِه من مَقاصدِ علْمِ البيانِ كالمجازِ والكنايةِ مُطلَقًا، ولو كانا مفرَدَيْنِ لتأتَّى اختلافُ الطرُقِ في الوضوحِ بكلٍّ، لكنْ لا بُدَّ مع تلكَ المُفرداتِ من نِسبةٍ تامَّةٍ لتَصِحَّ فيها المطابَقةُ لمُقتَضَى الحالِ التي لا تكونُ إلَّا في النِّسبةِ التامَّةِ. فمن هنا قال ابنُ يعقوبَ: يَنبغي أن يُعلَمَ أنَّ مَن سَمَّى المَجازَ مُطابَقةً، أو الكنايةَ كذلكَ، لا يُريدُ بذلكَ المطابَقَةَ التي تَمنَعُ من الاختلافِ في الدَّلالةِ، وهي الأصليَّةُ، وإنَّما يَعني ما يَصِحُّ معهُ ما قرَّرْناهُ من صِحَّةِ الاختلافِ ا. هـ.
ولا يَمنَعُ مَن عَدِّ التشبيهِ مقْصِدًا باعتبارِ تَأتِّي الإيرادِ المذكورِ به تَوَقُّفَ أحدِ نَوْعَي المَجازِ، وهو الاستعارةُ بقِسْمَيْها التحقِيقِيَّةِ والمَكْنيَّةِ، عليه من حيثُ إنَّها إنَّما تكونُ بعدَ المبالَغةِ في التشبيهِ وإدخالِ المشبَّهِ في جنسِ المشبَّهِ به؛ لأنَّ توقُّفَ بعضِ الأبوابِ على بعضٍ لا يُوجِبُ كونَ المتوقِّفِ عليه مقدِّمَةً للفَنِّ، ألا ترى أنَّ مبْحَثَ التصديقاتِ في عِلْمِ المنطِقِ يَتوقَّفُ على مبحثِ التصوُّرِ فيه مع أنَّهم عَدُّوا كلًّا منهما مقْصِدًا برأسِه. وكونُ التشبيهِ ليس من أقسامِ اللفظِ لا يَقتضِي كونَه ليسَ من مباحِثِ الفنِّ؛ إذ البحثُ عن الشيءِ في الفنِّ لا يَقتضي كونَه من موضوعِهِ كما في البحْثِ عن المجازِ والكنايةِ المفرَدَيْنِ، مع أنَّ المجازَ المفرَدَ هو معظَمُ مباحِثِ البيانِ؛ وذلكَ لأنَّه وإن اشتُهِرَ كما في الأطوَلِ أنَّ موضوعَ هذا الفنِّ اللفظُ البليغُ، ومَرَّ أنَّ البلاغةَ لا يُوصَفُ بها من اللفظِ إلَّا الكلامُ التامُّ، إلَّا أنَّ المرادَ بمعنى الكلامِ البليغِ أعمُّ من المعنى المطابَقيِّ، بأنْ يكونَ التجوُّزُ في التركيبِ بتمامِه كالمَجازِ المركَّبِ. ومن المعنى التضمُّنِيِّ، أي: المعنى المدلولِ عليه بالكلامِ المركَّبِ على وجهِ التضمُّنِ، كأنْ يكونَ التجوُّزُ في مفردٍ من مُفرداتِ الكلامِ المركَّبِ، فتكونُ الطرُقُ المختلِفةُ هي الطرُقُ المُفرداتُ التي في ضِمنِ المركَّبِ. ومن المعنى الالتزاميِّ، أي: المعنى المدلولِ عليه بالكلامِ المركَّبِ على وجهِ الالتزامِ، كأن يكونَ التجوُّزُ في لازمٍ من لوازمِ الكلامِ المركَّبِ، فتكونَ الطرُقُ المختلِفةُ هي الطرقُ التي في لوازمِ المركَّبِ، فحينئذٍ مباحثُ المَجازِ والكنايةِ المفرَدَيْنِ وكذا التشبيهُ مقاصِدُ بالذاتِ لا بالتَّبَعِ. هذا خُلاصةُ تحقيقِ المَقامِ فاحْفَظْهُ.