فهرس الكتاب
(التشبيهُ)
(التشبيهُ) إلحاقُ أمْرٍ [1] بأمْرٍ في وصْفٍ بأداةٍ لغَرَضٍ. والأمرُ الأوَّلُ يُسَمَّى المشبَّهُ، والثاني المشبَّهُ به، والوصْفُ وجهُ الشَّبَه، والأداةُ الكافُ أو نحوُها، نحوَ: العلْمُ كالنُّورِ في الهدايةِ. فالعلْمُ مشبَّهٌ، والنورُ مشبَّهٌ به، والهدايةُ وجهُ الشَّبَهِ، والكافُ أداةِ التشبيهِ.
ويَتعلَّقُ بالتشبيهِ ثلاثةُ مباحثَ. الأوَّلُ في أركانِه، والثاني في أقسامِه، والثالثُ في الغرَضِ منه.
(المبحثُ الأوَّلُ - في أركانِ التشبيهِ)
(أركانُ التشبيهِ أربعةٌ) [2] : المُشبَّهُ، والمُشبَّهُ به [3] ، (ويُسمَّيَان طرَفَي التشبيهِ) ، ووجهُ الشبهِ، والأداةُ.
(1) (قولُه: إلحاقُ أمْرٍ) ، أي: سواءٌ كان ذلكَ الإلحاقُ لفظيًّا بأنَّ صُرِّحَ فيه بالأركانِ الأربعةِ نحوَ: العِلْمُ كالنورِ في الهدايةِ، أو تقديريًّا بأنْ لم يُصَرَّحْ فيه بجميعِها نحوَ: زيدٌ أسدٌ وخُلاصةُ ما في البيانيَّةِ الصبَّانيَّةِ والأنبابيِّ عليها، أنَّ في التشبيهِ الصريحِ كالمثالِ الأوَّلِ ثلاثةَ مذاهبَ: أحدُها، كونُه حقيقةً، وهو المختارُ. وثانيها، كونُه كنايةً عن كونِ العلْمِ مَثلًا في غايةِ الهدايةِ مع جوازِ إرادةِ حقيقتِه، وهو تشبيهُ العلْمِ بالنورِ في الهدايةِ. وثالثُها، كونُه مَجازًا بِناءً على ما يُتخيَّلُ من أنَّ حقيقتَه مُشابَهةُ العلْمِ بالنورِ في جميعِ الأمورِ، وذلكَ مُتعذَّرٌ وهو ساقطٌ. وأنَّ في التشبيهِ الغَيْرِ الصريحِ كالمثالِ الثاني أربعَ اعتباراتٍ: أحدُها، أنَّه من مَجازِ الحذْفِ. والثاني، أنَّه استعارةٌ للرجُلِ الشجاعِ بقرينةِ زيدٍ، فليسَ هو المشبَّهُ، بلْ وهو الرجلُ الشجاعُ، فافْهَم. والثالثُ، أنَّه مَجازٌ مرسَلٌ لعَلاقةِ المَلزوميَّةِ؛ إذ الشجاعةُ لازمةٌ للأسدِ. والرابعُ، أنَّه مَجازٌ عقليٌّ في نِسبةِ الأسدِ لزيدٍ.
(2) (137) (قولُه: أركانُ التشبيهِ أربعةٌ) ، قيلَ: المرادُ بها المعاني، وعليه فإطلاقُ الأركانِ عليها مع أنَّ التشبيهَ التشريكُ المخصوصُ، وتلكَ الأربعةُ خارجةٌ عنه؛ نَظرًا لكونِها داخلةً في مفهومِه، وقيلَ: المرادُ بها الألفاظُ، وعليه فإطلاقُ الأركانِ عليها؛ لأنَّها أركانٌ للكلامِ الدالِّ على التشبيهِ، إذ هيَ أجزاءٌ ماديَّةٌ له كاليدِ والرجْلِ للإنسانِ، وإنَّما أضافوها للتشبيهِ فقالوا: أركانُ التشبيهِ، بتنزيلِ المدلولِ الذي هو التشبيهُ منزِلةَ الدالِّ الذي هو الكلامُ، وهذا دَأَبُ أئمَّةِ العربيَّةِ، وجعْلِ الدالِّ على التشبيهِ مجموعَ الأربعةِ مع أنَّ الدالَّ عليه ليس إلَّا واحدًا منها؛ نَظَرًا لكَوْنِ ذلكَ الدالِّ وهو الأداةُ كثيرًا ما يكونُ حرفًا لا يُؤدَّى معناهُ إلَّا بمعونةِ الطرفيْنِ والوجهِ، كما هو شأنُ الحروفِ كذا في الأطْوَلِ، ولا يَخفَى أنَّ مدلولَ الكلامِ ثبوتُ المشارَكةِ لا التشريكُ، والأقربُ أنَّ المرادَ بالطرَفَيْنِ والوجهِ المعاني لا الألفاظُ الدالَّةُ عليها، وبالأداةِ اللفظُ، وإنَّما سُمِّيَتْ أركانًا مع أنَّها لم تَدْخُلْ في ماهيَّةِ التشبيهِ؛ نَظَرًا لتوقُّفِه عليها مع عدَمِ استقلالِه بكلٍّ منها فأَشْبَهَت الأركانَ. أَنْبَابِيٌّ عن ابنِ يعقوبَ.
(3) (138) (قولُه: المشبَّهُ والمشبَّهُ به) ، هما الأصلُ والعمْدةُ في التشبيهِ؛ لأنَّ وجهَ الشبَهِ معنًى قائمٌ بهما، والأداةُ آلةٌ لبيانِ ذلكَ؛ ولأنَّ ذكْرَ أحدِهما في الكلامِ الدالِّ على المشارَكةِ واجبٌ ألبتَّةَ، بخلافِ الوجهِ والأداةِ. أَنْبَابِيٌّ.