فهرس الكتاب
ووجهُ الشَّبَهِ هو الوصْفُ الخاصُّ [1] الذي قُصِدَ اشتراكُ الطرفينِ فيه، كالهدايةِ في العلْمِ والنورِ.
وأداةُ التشبيهِ [2] هي اللفظُ الذي يَدُلُّ على معنى المشابَهةِ كالكافِ وكأنَّ، وما في معناهما، والكافُ يليها المُشبَّهُ به بخلافِ كأنَّ فيَلِيها المُشبَّهُ، نحوَ:
كأنَّ الثريَّا راحةٌ تَشْبُرُ الدُّجَى * لتنظرَ طالَ الليلُ أم قد تَعَرَّضَا
وكأنَّ تفيدُ التشبيهَ [3] إذا كان خبرُها جامدًا، والشكَّ إذا كان خبرُها مشتَقًّا، نحوَ: كأنَّكَ فاهمٌ.
وقد يُذكَرُ فعْلٌ يُنبِئُ عن التشبيهِ [4] ، نحوَ: قولِه تعالى: {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} .
وإذا حذَفْتَ أداةَ التشبيهِ ووجهَهُ سُمِّيَ تشبيهًا بليغًا [5] ، نحوَ: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} ، أي كاللباسِ في السِّتْرِ.
(1) (قولُه: هو الوصفُ الخاصُّ إلخ) ، أي: اختصاصًا ادِّعائيًّا لا واقعيًّا، بأن يقْصِدَ المتكلِّمُ اختصاصَ ذلكَ الوصفِ بذلكَ الشيءِ، ثمَّ يُشبِّهَ به غيرَه. أَنْبَابِيٌّ.
(2) (قولُه: وأداةُ التشبيهِ) ، أي: آلتُه، سُمِّيَ بها ما يُتَوَسَّلُ به إلى التشبيهِ، اسمًا كان أو فعْلًا أو حَرْفًا، مَجازًا لغويًّا وحقيقةً عُرفيَّةً.
(3) (قولُه: وكأنَّ تُفيدُ التشبيهَ إلخ والشكَّ إلخ) ، أي: على قولِ الزجَّاجِ؛ وذلكَ لأنَّ المشتَقَّ في نحوِ: كأنَّكَ فاهِمٌ، عينُ المخاطَبِ، ولا يُشَبَّهُ الشيءُ بنفْسِه، بخلافِ الجامدِ في نحوِ: كأنَّ زيدًا أسدٌ؛ فإنَّه غيرُ زيدٍ فيَصِحُّ تشبيهُه به. وقالَ بعضُهم: إنَّها للتشبيهِ مطلَقًا ولا تكونُ لغيرِه، وإنَّ نحوَ: كأنَّكَ فاهمٌ، على حذْفِ الموصوفِ، أي: كأنَّكَ شخصٌ فاهمٌ، فلمَّا حُذِفَ الموصوفُ وجُعِلَ الاسمُ بسببِ التشبيهِ كأنَّه الخبرُ بعينِه صارَ الضميرُ يعودُ إلى اسمِ كأنَّ لا إلى الموصوفِ المقدَّرِ، وذكَرَ السعدُ في المُطوَّلِ أنَّ استعمالَها للتشبيهِ كثيرٌ، وللظنِّ قليلٌ، مُطلَقًا سواءٌ كان الخبرُ جامدًا أو مشتقًّا لكثرةِ استعمالِها من المولِّدِينَ للظنِّ مُطلَقًا، نحوَ: كأنَّ زيدًا أخوكَ، وكأنَّه قائمٌ، فهي في هذيْنِ المثالَيْنِ ونحوِهما للظنِّ لا للتشبيهِ، وإلَّا كان من تشبيهِ الشيءِ بنفسِه. دسوقيٌّ بتَصرُّفٍ.
(4) (142) (قولُه: وقد يُذكَرُ فعْلٌ يُنْبِئُ عن التشبيهِ) ، أي: يَدلُّ عليه من غيرِ ذكْرِ أداةٍ، فيكونُ الفعْلُ قائمًا مقامَها، والمرادُ فعْلٌ غيرُ الأفعالِ المشتقَّةِ من المماثَلةِ والمشابَهةِ والمضاهاةِ ونحوِها، وكانَ الأَوْلى للمؤلِّفِ أن يقولَ وقد يُذْكَرُ ما يُنْبِئُ عن التشبيهِ ليَتناولَ: أنا عالِمٌ أنَّ زيدًا أسدٌ، وزيدٌ أسدٌ حقًّا، أو بلا شُبهَةٍ، وكأنَّ زيدًا أسدٌ، إذا كانت كلمةُ كأنَّ للظنِّ مُطلَقًا. أطولُ.
(5) (143) (قولُه: سُمِّيَ تشبيهًا بليغًا) ، إمَّا من البلاغةِ، مصَدَرِ بَلُغَ كظَرُفَ، لكنَّ فيه وصْفَ الشيءِ بوصفِ صاحبِهِ، أي البليغُ صاحبُه، مثلَ: الكتابِ الحكيمِ، والأسلوبِ الحكيمِ، أي التشبيهُ المخصوصُ بالبليغِ المعتَبرِ عندَهُ. وإمَّا من البلوغِ مصدَرِ بَلَغَ كدَخَلَ، بمعنى الواصِلِ إلى درجةِ القَبولِ، وإنَّما كان هذا النوعُ من التشبيهِ بليغًا بأحَدِ المعنيَيْنِ المذكورَيْنِ؛ لأنَّ حذْفَ الوجْهِ والأداةِ يُوقِعُ في ذهْنِ السامعِ تَحَقُّقَ دعوى اتِّحادِ الطرَفَيْنِ بلا شائبةِ فُتورٍ، أمَّا حذْفُ الوجهِ فلأَنَّه يُشعِرُ بأنَّ اشتراكَ الطرَفيْنِ ليس في صفةٍ واحدةٍ فقطْ، بل في جميعِ الصفاتِ، وعندَ ذكْرِه لا يَجوزُ التجاوزُ عما ذُكِرَ. وأمَّا حذْفُ الأداةِ فلأنَّه يَقتضي أن يُحمَلَ المشبَّهُ به على المشبَّهِ بطريقِ المُوَاطَأةِ، وهذا النوعُ من الحمْلِ لا يَصِحُّ إلَّا باتِّحادِ المحمولِ والموضوعِ في الخارجِ إمَّا حقيقةً أو ادِّعاءً. هذا ما ذكَرَهُ القومُ مع قولِهم بتقديرِ المحذوفَيْنِ الوجهِ والأداةِ، فدَعْوَى الاتِّحادِ عندَهم حاصلةٌ بحسْبِ البِناءِ على الظاهرِ، وقطْعِ النظَرِ عما هو الواقعُ من التقديرِ. وعليه فالفرْقُ بينَ التشبيهِ البليغِ والاستعارةِ المَبنيَّةِ على تَناسي التشبيهِ ظاهرٌ. ومذهَبُ العِصامِ والعلَّامةِ عبدِ الحكيمِ أنَّ دَعْوَى الاتِّحادِ وكمالِ المبالَغةِ لا تُوجَدُ في نحوِ: زيدٌ أسدٌ، إلَّا إذا جُعِلَ المحذوفانِ نِسْيًا مَنْسِيًّا غيرَ مقدَّرَيْنِ، أي: في نَظْمِ الكلامِ. ونظيرُه زيدٌ عَدْلٌ، إذا أُبْقِيَ العدلُ على معناهُ المصدريِّ، فدَعْوَى الاتِّحادِ عندَهما منظورٌ فيها للواقعِ من عدَمِ التقديرِ للمحذوفَيْنِ أو أحدِهما. وعليه فالتشبيهُ البليغُ والاستعارةُ المبنيَّةُ على تَناسي التشبيهِ وإن اتَّحَدَا في حصولِ دَعْوى الاتِّحادِ وكمالِ المبالَغةِ، لا بحسْبِ البناءِ على الظاهرِ، بل بالنظَرِ للواقعِ من حذْفِ الأداةِ والوجْهِ وعدَمِ التقديرِ لهما فيهما، إلَّا أنَّه يُفرَّقُ بينَهما بنيَّةِ المحذوفَيْنِ الوجهِ والأداةِ في التشبيهِ البليغِ، وعدَمِ نيَّتِهما في الاستعارةِ. وأمَّا إذا قُدِّرَ في نحوِ: زيدٌ أسدٌ المحذوفانِ كلاهما أو أحدُهما، فإنَّه بالنظَرِ للواقعِ من التقديرِ وكونِ المقدَّرِ كالثابتِ يُعَرَّى عن دعوى الاتِّحادِ وكمالِ المبالَغةِ؛ إذ هو عند الثبوتِ عارٍ، فكذا عندَ التقديرِ؛ لأنَّ كلًّا من الوجهِ والأداةِ يُنبِئُ عن المغايَرةِ، فلا يُجامِعُ تقديرَهما أو أحدَهما دَعْوى الاتِّحادِ وكمالِ المبالَغةِ، ولا يُوجَدُ في الحذْفِ حينئذٍ فائدةٌ سِوى الأخصَرِيَّةِ. ونظيرُه زيدٌ عَدْلٌ إذا جُعِلَ بمعنى العادِلِ، أو على تقديرِ مضافٍ، أي: ذي عدْلٍ، فتَحْصُلُ أنَّ تَسميَةَ نحوِ زيدٌ أسدٌ تشبيهًا بليغًا لا يُشترَطُ فيها عندَ القومِ عدمُ تقديرِ المحذوفَيْنِ كِلَيْهما أو أحدِهما؛ نظرًا لحصولِ دَعْوى الاتِّحادِ فيه بحسْبِ البِناءِ على الظاهرِ وقطْعِ النظَرِ عمَّا هو الواقعُ فيه من التقديرِ، ويُشترَطُ فيها عند العِصامِ وعبدِ الحكيمِ عدمُ التقديرِ المذكورِ؛ نظَرًا لعدَمِ الاعتدادِ بحُصولِ دَعْوى الاتِّحادِ بحسْبِ الظاهرِ وقطْعِ النظَرِ عمَّا هو الواقعُ من التقديرِ فيه، بل بحُصولِها بحسْبِ الواقعِ من عدَمِ تقديرِ المحذوفَيْنِ كلَيْهما أو أحدِهما فيه، وأنَّ التشبيهَ البليغَ يُفارِقُ الاستعارةَ بنيَّةِ المحذوفَيْنِ فيهِ وعَدَمِ نيَّتِهما فيها، فعندَهما في نحوِ: زيدٌ أسدٌ.
ثلاثَةُ اعتباراتٍ: إمَّا تقديرُ المحذوفَيْنِ، فيَخْلُو عن دَعْوى الاتِّحادِ، أو نيَّةُ المحذوفَيْنِ بدونِ تقديرٍ، فيكونُ تشبيهًا بليغًا، أو عدَمُ كلٍّ من التقديرِ والنيَّةِ، فيكونُ استعارةً. وممَّا يُوضِّحُ لكَ الفرْقَ بينَ التقديرِ والنيَّةِ بدونِه وعدمِهما، ما قالَه بعضُ النُّحاةِ في الفرْقِ بينَ التَّضمينِ المعنويِّ لمعنى الحرْفِ المقتَضِي مَرَّةً لبناءِ الاسمِ ومَرَّةً لعدَمِ بنائِه، والتضمينِ اللفظيِّ لذلكَ الذي لا يَقتضي البناءَ أصلًا، من أنَّ التضمينَ اللفظيَّ عبارةٌ عن ملاحظةِ لفظِ الحرْفِ بعدَ حذفِه توسُّعًا كما في المنصوبِ بِنَزْعِ الخافضِ، فيكونُ نظيرَ تقديرِ المحذوفيْنِ كليْهِما أو أحدِهما هنا كما لا يَخْفَى، وأنَّ التضمينَ المعنويَّ الذي لا يَقتضِي بِناءَ الاسمِ عبارةٌ عن الإشارةِ لمعنَى الحرفِ بالاسمِ مع نيَّةِ الحذفِ، بحيثُ يكونُ دالًّا على معناهُ بنفسِه من غيرِ توسُّعٍ بحذفِه، سواءٌ أمكَنَ النطْقُ به أم لا، كما في نحوِ الظروفِ المتصرِّفةِ وغيرِها، فيكونُ نظيرَ نيَّةِ المحذوفيْنِ هنا بحيثُ يكونُ الطرفانِ مشِيرَيْنِ لهما، وإنْ دَلَّ المحذوفانِ على معناهُما بأنفسِهما مع عدَمِ تقديرٍ لأحدِهما أو كليْهِما في نظْمِ الكلامِ المقتَضِي لبلاغةِ التشبيهِ، وأنَّ التضمينَ المعنويَّ المقتضِي بناءَ الاسمِ عبارةٌ عن كونِ الاسمِ دالًّا على معنى الحرفِ الجزئيِّ الغيرِ المستقِلِّ بنفسِه مع دَلالتِه على معناهُ المستقلِّ بحيثُ لم يكُنْ لتقديرِ الحرفِ ولا لنيَّتِه حاجةٌ؛ فلِذَا استَحَقَّ نحوَ اسمِ الاستفهامِ واسمِ الإشارةِ البناءَ للشَّبَهِ المعنويِّ، فيكونُ نظيرَ الاسمِ المستعارِ للمشبَّهِ في الاستعارةِ في دَلالتِه على باقي أركانِ التشبيهِ بنفسِه بحيثُ لا يُحتاجُ لنيَّتِها ولا لتقديرِها في نظْمِ الكلامِ، فافْهَمْ هذا واحْفَظْهُ فهوَ غايةُ تحقيقِ المقامِ.