فهرس الكتاب
(المبحثُ الثاني - في أقسامِ التشبيهِ)
(يَنقسِمُ) التشبيهُ باعتبارِ وجهِ الشَّبَهِ إلى تمثيلٍ وغيرِ تمثيلٍ. فالتمثيلُ ما كان وجهُه منتَزَعًا من متعدِّدٍ، كتشبيهِ الثريَّا بعُنقودِ العنبِ المُنَوَّرِ. وغيرُ التمثيلِ ما ليس كذلكَ، كتشبيهِ النجْمِ بالدرهمِ.
(ويَنقسِمُ) بهذا الاعتبارِ أيضًا إلى مفصَّلٍ ومجْمَلٍ.
(فالأوَّلُ) ما ذُكِرَ فيه وجهُ الشَّبَهِ، نحوَ:
وثَغْرُه في صَفاءٍ * وأَدْمُعِي كَاللآلِي
(والثاني) ما ليس َ كذلكَ، نحوَ: النحْوُ في الكلامِ كالمِلحِ في الطعامِ [1] .
(ويَنقسِمُ) باعتبارِ أداتِه إلى مؤكَّدٍ، وهو ما حُذِفَتْ أداتُه، نحوَ: هو بحرٌ في الجودِ، ومرْسَلٍ [2] وهو ما ليسَ كذلكَ، نحوَ: هو كالبحرِ كَرَمًا. ومن المؤكَّدِ ما أُضيفَ فيه المُشبَّهُ به إلى المُشبَّهِ نحوَ:
والريحُ تَعبَثُ بالغصونِ وقد جَرَى * ذَهَبُ الأصيلِ على لُجَيْنِ الماءِ
(المبحثُ الثالثُ - في أغراضِ التشبيهِ [3]
(1) (قولُه: نحوَ: النَّحْوُ في الكلامِ كالمِلحِ في الطعامِ) ، أي: فقد حُذِفَ منه وجْهُ الشبَهِ، وهو الصلاحُ بأعمالِ كلٍّ من النحوِ والمِلحِ على الوجهِ اللائقِ، والفسادُ بإهمالِهما، فعَنَى هذا المثالُ أنَّ الكلامَ لاتحصُلُ منافِعُه من الدَّلالةِ على المقاصِدِ إلَّا بمراعاةِ القواعدِ النحويَّةِ، كما أنَّ الطعامَ لا تَحصُلُ المَنفعَةُ المطلوبةُ منه، وهي التغذيةُ، على وجهِ الكمالِ ما لم يُصلَحْ بالمَلْحِ.
(2) (145) (قولُه: ومرسَلٍ) ، أي: مُطْلَقٍ عن التأكيدِ، أي خاليًا عنه.
(3) (قولُه: في أغراضِ التشبيهِ) ، الأغراضُ جمْعُ غرَضٍ، وهو المصلَحةُ المترتِّبةُ على الفعْلِ من حيثُ إنَّها مطلوبةٌ للفاعلِ بالفعْلِ، وباعثةٌ له على إيجادِه، وهو هنا نوعانِ: ما يَرجِعُ إلى المشبَّهِ، وتحتَهُ سبعةُ أقسامٍ، ذَكَرَ المؤلِّفُ منها ستَّةً: بيانُ إمكانِ المشبَّهِ، أو حالِه، أو مقدارِها، أو تقريرِها، أو تَزْيينِه، أو تَشْويهِه، وبَقِيَ السابعُ وهو استطرافُهُ، أي عَدُّه طَريفًا حديثًا بديعًا؛ إمَّا لإبرازِه في صورةِ الممتنِعِ عادةً كما في تشبيهِ فحْمٍ سَرَت النارُ فيه سريانًا يُتَوَهَّمُ فيه الاضطرابُ كاضطرابِ الموجِ ببحرٍ من مِسْكٍ ذائبٍ موجُهُ الذهَبُ الذائبُ؛ إذْ لا شكَّ أنَّ إبرازَ الشيءِ المبتَذَلِ، وهو الفحْمُ المذكورُ، في صورةِ الممتنِعِ عادةً، وهو البحرُ المذكورُ، بِتَخَيُّلِ أنَّهُ كَهُوَ يُوجِبُ غايةَ الاستطرافِ. وإمَّا لإبرازِه وهو شيءٌ تافِهٌ محتَقَرٌ في وصْفِ شيءٍ رفيعٍ لا تَصِلُ إليهِ الأثمانُ كما في تشبيهِ الفحمِ المذكورِ بالبحْرِ المذكورِ أيضًا. وإمَّا لنُدُورِ حضورِ المشبَّهِ به مُطلَقًا في الذهْنِ كما في تشبيهِ الفحْمِ المذكورِ بالبحْرِ المذكورِ أيضًا. وإمَّا لنُدُورِ حضورِ المشبَّهِ به في الذهْنِ عندَ حضورِ المشبَّهِ فيه كما مَرَّ في تشبيهِ البنفْسِجِ بأوائلِ النارِ في أطرافِ كِبريتٍ. وما يَرجِعُ إلى المشبَّهِ به، وتحتَه قسمانِ: إيهامُ أنَّ المشبَّهَ به أَتَمُّ من المشبَّهِ، وهوَ ما اقتَصَرَ عليهِ هنا. وبيانُ الاهتمامِ بالمشبَّهِ به، كتشبيهِ الجائعِ وجهًا كالبدْرِ في الإشراقِ، والاستدارةِ بالرغيفِ، ويُسَمَّى هذا إظهارَ المطلوبِ.