الصفحة 73 من 86

(وتَنقسِمُ) الاستعارةُ إلى مصرَّحةٍ، وهي ما صُرِّحَ فيها بلفظِ المُشبَّهِ به، كما في قولِه:

فأمْطَرَتْ لؤلؤًا من نرْجِسٍ وسَقَتْ * وَرْدًا وعضَّتْ على العُنَّابِ بالبَرَدِ

فقد استعارَ اللؤلؤَ والنرجِسَ والورْدَ والعُنَّابَ والبَرَدَ للدموعِ والعيونِ والخدودِ والأناملِ ... والأسنانِ. وإلى مَكْنِيَّةٍ وهي ما حُذِفَ فيها المُشبَّهُ به ورُمِزَ إليه بشيءٍ من لوازمِه، كقولِه تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} ، فقد استعارَ الطائرَ للذُّلِّ [1] ، ثم حذَفَه ودَلَّ عليه بشيءٍ من لوازمِه وهو الجَناحُ، وإثباتُ الجناحِ للذُّلِّ يُسمُّونه استعارةً تَخييليَّةً.

(1) (150) (قولُه: فقد استعارَ الطائرَ للذُّلِّ إلخ) ، أي: بعدَ تشبيهِ الذلِّ بالطائرِ وادِّعاءِ أنَّ الذلَّ فرْدٌ من أفرادِ الطائرِ على مذْهَبِ السلَفِ، وإمَّا على مذْهَبِ الخطيبِ فيُقالُ: شَبَّهَ الذلَّ بالطائرِ تشبيهًا مُضمَرًا في النفسِ مَرمُوزًا له بإثباتِ الجَناحِ للذلِّ استعارةً تخييليَّةً، وعلى مَذهَبِ السكَّاكيِّ يُقالُ: فقد استَعارَ الذلَّ بعدَ تشبيهِه بالطائرِ وادِّعاءً أنَّه فرْدٌ مِن أفرادِ الطائرِ للطائرِ الادِّعائيِّ على طريقِ الاستعارةِ المكنيَّةِ الأصليَّةِ، ثمَّ شَبَّهَ الجَناحَ الادِّعائيَّ المدَّعَى إثباتُه للذلِّ عندَ ادِّعاءِ أنَّه طائرٌ بجَناحِ الطائرِ الحقيقيِّ، ثمَّ استُعيرَ لفظُ الجَناحِ المحقَّقِ للجَناحِ الادِّعائيِّ استعارةً تصريحيَّةً تخييليَّةً، فتَحْصُلُ في المكنيَّةِ ثلاثةُ مذاهبَ: الأوَّلُ للخطيبِ، أنَّها التشبيهُ المُضْمَرُ في النفسِ المدلولِ عليهِ بلفظٍ يَدُلُّ عليه. والثاني للقومِ، أنَّها لفظُ المشبَّهِ به المطوِيِّ من الكلامِ المرموزِ إليه بذِكْرِ لازمِه. والثالثُ للسكَّاكيِّ، أنَّها نفسُ لفظِ المشبَّهِ المستعمَلِ في المشبَّهِ به الادِّعائيِّ.

وفي التخييليَّةِ مذهبانِ: أحدُهما للقومِ وللخطيبِ، أنَّها مَجازٌ عقليٌّ في إثباتِ اللازمِ الذي هو قرينةُ المكنيَّةِ لغيرِ ما هو، ويُسمَّى استعارةً تخييليَّةً بطريقِ الاشتراكِ اللفظيِّ. والثاني للسكَّاكيِّ، أنَّها في نحوِ جَناحَ الذلِّ وأظْفارِ المنيِّةِ لفظٌ لازَمَ المشبَّهَ به المستعارَ للازمِ المشبَّهِ الوهمِيِّ الادِّعائيِّ استعارةً تخييليَّةً، وفي نحوِ قولِه تعالى: {يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} عبارةٌ عن لفظِ البلْعِ المستعارِ لغَوْرِ الماءِ استعارةً تحقيقيَّةً، كما أنَّ الماءَ استعارةٌ بالكنايةِ للغذاءِ، وفي نحوِ: هَزَمَ الأميرُ الجنْدَ، وأَنبَتَ الربيعُ البَقلَ، عبارةٌ عن لفظِ الهَزْمِ والإنباتِ مستعمَلَيْنِ في معناهِما الحقيقيِّ، وأنَّه يَجوزُ انفرادُ المكنيَّةِ عن التخييليَّةِ كما يَجوزُ انفرادُ التخييليَّةِ عن المكنيَّةِ في نحوِ المنيَّةُ الشبيهةُ بالسبْعِ نَشبَتْ بزيدٍ، فالأظفارُ في مِثلِ هذا عندَ السكَّاكيِّ استعارةٌ تخييليَّةٌ مع صريحِ التشبيهِ، لا مع المكنيَّةِ، وهيَ عندَ القومِ والخطيبِ في مثلِ هذا ترشيحُ التشبيهِ لا استعارةٌ. بَقِيَ مَذهبانِ في المكنيَّةِ: أحدُهما للعصامِ، أنَّها لفظُ المشبَّهِ به المقلوبِ المستعمَلِ في المشبَّهِ المقلوبِ مع جعْلِ مجموعِ الكلامِ بعدَ ذلكَ كنايةً. والقرينةُ على الاستعارةِ ذِكْرُ مُلائِمِ المشبَّهِ المقلوبِ، وعلى الكنايةِ حاليَّةٌ هيَ كونُ المقامِ مقامَ إفادةِ المعنى الكِنَائيِّ. ففي نحوِ أَنشبَت المنيَّةُ أظفارَها بزيدٍ، يُشبِّهُ السبْعَ بالمنيَّةِ في اغتيالِ النفوسِ قهرًا، ويَتناسَى التشبيهَ ويَدَّعي أنَّ السبْعَ من جنسِ المنيَّةِ، ويُستعارُ للسبعِ الحقيقيِّ لفظُ المنيَّةِ، ويُجعلُ مجموعُ أنْشَبَت المنيَّةُ إلخ من حيثُ معناهُ المجازيِّ وهو إنشابُ السبْعِ الحقيقيِّ أظفارَه بزيدٍ كنايةً عن تحقُّقِ الموتِ بلا رِيبةٍ، أي بالقوَّةِ القريبةِ من الفعْلِ، أو في المستقبَلِ بحيثُ لا يَتَخَلَّفُ ولا يُلاحَظُ الخلاصُ منه، والقرينةُ على الاستعارةِ ذكْرُ الأظفارِ المستعمَلُ في حقيقتِها المنسوبةِ لمَن هي له، وعلى الكنايةِ كونُ المقامِ مقامَ إفادةِ تحَقُّقِ الموتِ بقَطْعِ النظَرِ عن أسبابِه، وقيلَ عدَمُ وجودِ السبْعِ الحقيقيِّ عندَ زيدٍ وقتَ التكلُّمِ بهذا الكلامِ. وثانيهما لصاحبِ الكشْفِ، أخَذَه من كلامِ صاحبِ الكشَّافِ على ما ذكَرَه السعْدُ وحقَّقَه عبدُ الحكيمِ، أنَّها لازمُ المشبَّهِ به المذكورِ المستعارِ للَّازمِ المشبَّهِ المحقَّقِ أو الموهومِ استعارةً غيرَ مقصودةٍ في نفسِها، بل قُصِدَ بها الدَّلالةُ على لازمِها، وهو إثباتُ وصْفِ المشبَّهِ به للمشبَّهِ، فهي عندَهُ استعارةٌ تصريحيَّةٌ متلَبِّسَةٌ بكنايةٍ عن النِّسبةِ، ففي قولِه تعالى: {يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ} وقولِكَ: عالِمٌ يَغْترِفُ منهُ الناسُ، وقولِكَ: شجاعٌ يَفترِسُ أقرانَه، النقضُ مُستعارٌ للإبطالِ، والاغترافُ مستعارٌ لانتفاعِ الناسِ بالعالِمِ، والافتراسُ مُستعارٌ لبَطْشِ الشجاعِ وفَتْكِه، استعارةً تصريحيَّةً تحقيقيَّةً. وفي قولِكَ: أظفارُ المنيَّةِ نَشبَتْ بزيدٍ، أو مخالِبُ المنيَّةِ نَشبَتْ به، وقولِ لَبيدٍ: إذ أصْبَحَتْ بيدِ الشمالِ زمامُها، الأظفارُ والمخالِبُ واليدُ مستعاراتٌ لأظفارٍ ومخالبَ ويدٍ موهومةٍ مشبَّهةٍ بمعانيها المحقَّقةِ استعارةً تصريحيَّةً تخيليَّةً، ثمَّ النقْضُ في الآيةِ كنايةٌ عن استعارةِ الجَبَلِيَّةِ للعهْدِ، والاغترافُ كنايةٌ عن استعارةِ البَحْرِيَّةِ للعالِمِ، والافتراسُ كنايةٌ عن استعارةِ الأسديَّةِ للشجاعِ، والأظفارُ والمخالِبُ كنايةٌ عن استعارةِ السبعيَّةِ للمنيَّةِ، واليدُ كنايةٌ عن استعارةِ الإنسانيَّةِ للشمالِ. هذا ما صرَّحَ به صاحبُ الكشْفِ المنسوبِ له هذا القولُ، كما يُؤخَذُ من السيِّدِ وغيرِه. وبَقِيَ في التخييليَّةِ مَذهبانِ: أحدُهما لصاحبِ الكشْفِ، على ما فَهِمَه السعْدُ من ظاهِرِ كلامِه، أنَّها في نحوِ أظفارِ المنيَّةِ نَشَبتْ بزيدٍ مجازٌ في الإثباتِ يُسمَّى استعارةً تخييليَّةً على طريقِ الاشتراكِ اللفظيِّ لسَلَفٍ. وفي نحوِ {يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ} ،

إمَّا استعارةٌ تحقيقيَّةٌ تصريحيَّةٌ باستعارةِ النقضِ للإبطالِ،

وإمَّا مَجازٌ مرسَلٌ لعَلاقةِ التقييدِ والإطلاقِ بمرتَبتَيْنِ، أو لعَلاقةِ التقيُّدِ فقط بمَرتَبةٍ، وإمَّا كنايةٌ بإطلاقِ النقضِ وإرادةِ لازمِ معناهُ الذي هو الإبطالُ، وإمَّا باستعمالِ النقْضِ في معنًى عامٍّ يَشتركُ فيهِ الطرفانِ على طريقِ الاستعارةِ، أو على طريقِ المجازِ المرسَلِ برُتبةٍ، أو على طريقِ الكنايةِ. وقرينةُ المَجازِ في التابعِ المذكورِ إنْ لم تكُنْ حاليَّةً إمَّا لفظُ المشبَّهِ في المَكنيَّةِ كلفظِ العهْدِ في الآيةِ، وإمَّا غيرُه إنْ كانَ كلفظِ بعلْمِه في قولِكَ: عالِمٌ اغتَرَفَ الناسُ بعلْمِه، فافْهَمْ. وثانيهُما للعصامِ، صرَّحَ به في شرْحِ السمَرْقَنْدِيَّةِ، أنَّها حقيقةٌ لُغويَّةٌ وإثباتُها للمشبَّهِ حقيقةٌ عقليَّةٌ دائمًا، فلا تَجوزُ عندَه في نحوِ الأظفارِ لغةً، ولا في إضافتِها للمنيَّةِ عقلًا، والظاهرُ أنَّه لا يُوافِقُ على تسميتِها استعارةً تخييليَّةً، وإلَّا فلا وجه لهَ حينئذٍ، كما أشارَ لذلكَ حفيدُه والدَّبْجَنِيُّ وغيرُهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت