الصفحة 74 من 86

وتَنقسِمُ الاستعارةُ إلى أصليَّةٍ [1] ، وهي ما كان فيها المستعارُ اسمًا غيرَ مشتَقٍّ، كاستعارةِ الظلامِ للضلالِ، والنورِ للهُدى. وإلى تبعيَّةٍ، وهي ما كان فيها المستعارُ فعْلًا [2] أو حرفًا أو اسمًا مشتقًّا [3] . نحوَ: ركِبَ فلانٌ كَتِفَيْ غَريمِهِ [4] ، أي لازَمَه مُلازمةً شديدةً، وقولِه تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِن رَبِّهِمْ} [5] أي تَمَكَّنوا من الحصولِ على الهدايةِ التامَّةِ، ونحوَ قولِه:

(1) (قولُه: وتَنقسِمُ الاستعارةُ إلى أصليَّةٍ إلخ) ، ظاهرةٍ، سواءٌ كانت تصريحيَّةً أو مكنيَّةً، وهو كذلكَ. فالمكنيَّةُ الأصليَّةُ ما كان مسمَّاها، سواءٌ قلتَ: إنَّه لفظُ المشبَّهِ به، أو لفظُ المشبَّهِ، أو لفظُ التشبيهِ المضمَرِ في النفسِ، اسمًا جامدًا غيرَ مشتَقٍّ، نحوَ: أنشبَت المنيَّةُ أظفارَها بزيدٍ؛ فإنَّ مسمَّاها الذي هو السبعُ المحذوفُ المرموزُ إليه بالأظفارِ، أو المنيَّةُ والتشبيهُ المضمَرُ في النفسِ، اسمٌ جامدٌ غيرُ مشتَقٍّ، والتبعيَّةُ ما كان مُسمَّاها اسمًا مشتقًّا أو اسمًا مبهَمًا، أعنِي الضميرَ أو اسمَ الإشارةِ أو اسمَ الموصولِ، نحوَ: أعجَبَني إراقةُ الضاربِ دمَ زيدٍ، فيُقالُ على مذهَبِ الجمهورِ: شَبَّهَ في النفسِ الضربَ الشديدَ بالقتلِ في شدَّةِ الإيذاءِ، واستُعيرَ القتلُ له في النفسِ، ورُمِزَ إليه بإراقةِ الدمِّ، واشتُقَّ منه قاتلٌ بمعنى: ضاربٌ ضربًا شديدًا، أو فَسَرَى التشبيهُ لجُذْئَي الوصفَيْنِ، فاستُعيرَ القاتلُ للضاربِ، وطُوِيَ ورُمِزَ له بلازمِه وهو إراقةُ الدمِ. وعلى مَذهَبِ السكَّاكِيِّ شَبَّهَ الضرْبَ بالقتلِ، وادَّعَى أنَّه من جنسِه، فصارَ للقتلِ فردَانِ؛ حقيقيٌّ وادِّعائيٌّ، وهو الضرْبُ المدَّعَى أنَّه قتلٌ، واستُعيرَ الضربُ من معناهُ للقتْلِ الادِّعائيِّ واشتُقَّ منهُ ضاربٌ بمعنى قاتلٍ ادِّعاءً، وعلى مذهَبِ الخطيبِ شَبَّهَ في النفسِ الضربَ بالقتْلِ، فَسَرَى التشبيهُ إلى ما في ضِمْنَيِ الوصفَيْنِ. ونحوَ: هذا المالُ العَسِرُ المنالِ مطلوبٌ منكَ الاجتهادُ في السَّيْرِ إليه، ونحوَ: أعْجَبَني تَكلُّمُ ما عندَكَ من الدوابِّ، وكقولِك لجليسِك المشغولِ قلبُه عنكَ: أنتَ مطلوبٌ منكَ أن تَسيرَ الآنَ إلينا، فتقولُ على مذهَبِ السلَفِ: شَبَّهَ مُطلَقَ مخاطَبٍ بمطلَقِ غائبٍ، فَسَرَى التشبيهُ للجزئيَّاتِ، واستُعيرَ بالبِناءِ على ذلكَ ضميرُ الغائبِ للمخاطَبِ، وحذَفْتَه وذَكَرْتَ المخاطَبَ ورَمَزْتَ إلى المحذوفِ بذكْرِ لازِمِه مُثبَتًا للمخاطَبِ، وهو طلَبُ السيرِ منهُ إليكَ. وعلى مذهَبِ السكَّاكِيِّ، شَبَّهَ المطلَقَ بالمطلَقِ، وادَّعَي أنَّ للمشبَّهِ به فرْدَيْنِ؛ حقيقيًّا وهو مطلَقٌ غائبٌ، وادِّعائيًّا وهو مُطلَقٌ مخاطَبٌ ادُّعِيَ أنَّه غائبٌ، واستُعيرَ مُطلَقٌ مخاطَبٌ لمطلَقٍ غائبٍ ادِّعائيٍّ، واستُعمِلَ الضميرُ الموضوعُ لجُزْئِيٍّ من جزئيَّاتِ مُطلَقٍ مخاطَبٍ في جزئِيٍّ من جُزئيَّاتِ مطلَقٍ غائبٍ ادِّعائيٍّ. وعلى مذهَبِ الخطيبِ، شَبَّهَ المطلَقَ بالمطلَقِ في النفسِ، فَسَرَى التشبيهُ للجزئيَّاتِ، وقِسْ على ذلكَ. نعمْ لا تَجْرِي المكنيَّةُ في الفعلِ واسمِه، ولا في الحرْفِ، خلافًا لمَن وَهِمَ في ذلكَ؛ لأنَّ المكنيَّةَ لا بدَّ فيها من إثباتِ لازمِ المشبَّهِ به للمشبَّهِ، ووضْعِ الفعلِ واسمِه والحرفِ على أن لا يَثْبُتَ لمعناها شيءٌ بِوَجْهٍ ما، لا بإسنادٍ إليه، ولا بإيقاعٍ عليه، ولا بإضافةٍ إليه، كما لا يَخْفَى أَنْبَابِيٌّ على البيانيَّةِ.

(2) (152) (قولُه: وهو ما كانَ فيها المُستعارُ فِعْلًا إلخ) ، أمَّا وجهُ كونِها تبعيَّةً في الحرْفِ، فهو أنَّ الحرفَ موضوعٌ لمعنًى غيرِ مستقِلٍّ بنفسِه لا يَصلُحُ للموصوفيَّةِ التي يَقتضيها التشبيهُ الذي تُبْنَى عليه الاستعارةُ، من حيثُ إنَّه لا يَتحقَّقُ إلَّا باتِّصافِ طرَفَيْهِ بوجهِ الشبَهِ الذي هو المعنى الجامعُ بينَهما، وعليه فلا تَتأتَّى الاستعارةُ في الحرفِ إلَّا إذا جَرَى التشبيهُ أوَّلًا في مُتعلِّقِ معناهُ الكلِّيِّ المعبَّرِ به عنه كالظرفيَّةِ لفي، والاستعلاءِ لِعَلى، ألا تَرَى أنَّ مطلَقَ الظرفيَّةِ مثلًا ليسَ هو معنى في، وإلَّا كانت اسمًا لا حرفًا، بلْ معناها ظرفيَّةٌ خاصَّةٌ بظرفٍ ومظروفٍ خاصَّيْنِ، ثمَّ يَسْرِي التشبيهُ من مُتعلِّقِه إلى معناهُ الخاصِّ، فيُستعارُ من معناهُ الخاصِّ الحقيقيِّ إلى معناهُ الخاصِّ المجازيِّ، فافْهَمْ. وأمَّا وجهُ كونِها تبعيَّةً في الفعلِ فهو أنَّ معناهُ ملاحظٌ فيه النِّسبةُ إلى فاعلِ ما، فإذا كان معناهُ متوقِّفًا على غيرِه لا يَصْلُحُ للموصوفيَّةِ فلا يَصلُحُ للاستعارةِ إلَّا إذا أُجْرِيَ التشبيهُ أوَّلًا بينَ معنى المصدَرَيْنِ الحقيقيِّ والمجازيِّ ثمَّ يَسْرِي منه إلى ما في ضِمْنَي الفِعليْنِ، ثمَّ يُستعارُ الفعلُ من معناهُ الحقيقيِّ إلى معناهُ المجازيِّ على ما للعصامِ، أو بعدَ تشبيهِ المصدَرَيْنِ يُستعارُ لفظُ المشبَّهِ به للمشبَّهِ، ثمَّ يُشتَقُّ منه الفعلُ على ما للقومِ، فافهَمْ. وأمَّا وجهُ كونِها تبعيَّةً في الاسمِ المشتقِّ فهو أنَّ المقصودَ منه الحدَثُ لا الذاتُ، وحَدَثُه ملاحَظٌ فيه النِّسبةُ إلى فاعلٍ أو نائبِه، فيكونُ باعتبارِ ذلكَ غيرَ صالحٍ للموصوفيَّةِ، فلا يَصلُحُ للاستعارةِ إلَّا إذا أُجْرِيَ التشبيهُ أوَّلًا بينَ معنى المصدَرَيْنِ نظيرَ ما قيلَ في الفعْلِ، فافْهَمْ.

(3) (153) (قولُه: فِعْلًا أو حرْفًا أو اسمًا مُشتقًّا) ، بَقِيَ رابعٌ، وهو اسمُ الفعْلِ. ووجْهُ كونِ الاستعارةِ فيه تبعيَّةً إمَّا ما سَبَقَ في الفعْلِ بِناءً على القولِ بأنَّ مدلولَه معنى الفعْلِ أو لفظُه من حيثُ دَلالتُهُ على معناهُ، لا من حيثُ هو لفظٌ. وإمَّا كونُ الحدَثِ الذي هو مدلولُه بِناءً على أنَّ مدلولَه معنى المصدَرِ ليسَ موضوعًا لأنْ يُحْكَمَ عليه، بل لأنْ يُحْكَمَ به، فلا يَجْرِي فيه التشبيهُ المستَدْعَى للحكْمِ عليه أصالةً؛ فلذلكَ أُجْرِيَ التشبيهُ أوَّلًا في المصدَرِ كذا قيلَ، ولكنَّ الظاهرَ أنَّ حكمَه على هذا القولِ حكْمُ المصدَرِ في كونِ استعارةِ كلٍّ تبعيَّةً، كما يُشيرُ إليه كلامُ العلَّامةِ الأميرِ، فتأمَّلْ أَنْبَابِيٌّ. وخامسٌ، وهو الاسمُ، المبْهَمُ أعْنِي الضميرَ أو اسمَ الإشارةِ واسمَ الموصولِ على قولِ معَرِّبِ فارسيَّةِ العصامِ، وبه يُشْعِرُ كلامُ عبدِ الحكيمِ. ووجْهُ تبعيَّةِ الاستعارةِ فيه قيلَ أمْرَانِ: أحدُهما، أنَّ معناهُ جُزئيٌّ، والأصليَّةُ مختصَّةٌ بالكُلِّيِّ الجامِدِ. وثانيهما أنَّه لا يَتِمُّ انفهامُ معناهُ الجزئيِّ إلَّا بضَمِّ ضَميمةٍ إليه كالمرْجِعِ والتكلُّمِ والخِطابِ والصلَةِ والإشارةِ الحسيَّةِ ولو تقديرًا، كأنْ يكونَ مرجِعُ الضميرِ غيرَ مصرَّحٍ به، بل يكونُ معلومًا من السياقِ مَثلًا. وهذهِ أمورٌ خارجيَّةٌ عن مفهومِه لا توجَدُ إلَّا عندَ التركيبِ والاستعمالِ، ولا يتأتَّى التشبيهُ في معناهُ الجزئيِّ لعدَمِ فهْمِ تلكَ الأمورِ الخارجيَّةِ عن معناهُ الجزئيِّ عندَ التشبيهِ؛ فلذا لم يُعتَبَر التشبيهُ أوَّلًا إلَّا في كلِّيَّاتِ مفهوماتِ المُبهَماتِ الجزئيَّةِ، وكانت الاستعارةُ في الأسماءِ المبهَمةِ تبعيَّةً وإن كانت معانيها مقصودةً لذاتِها يُحْكَمُ عليها وبها، وقيلَ: هو أنَّه في تأويلِ المشتقِّ، فهذا في تأويلِ مُشارٍ إليه، وأنا في تأويلِ متكلِّمٍ، وأنتَ في تأويلِ مخاطَبٍ، والذي قامَ في تأويلِ القائمِ، وقِسْ، فتكونُ الاستعارةُ فيها كالمشتقَّاتِ تابعةً لاستعارةِ المصادِرِ. وقد شَنَّعَ معاويةُ على جعْلِ الاستعارةِ في مثلِ ذلكَ تبعيَّةً، وأطالَ في البيانِ، فعليكَ بالتأمُّلِ والإمعانِ أَنْبَابِيٌّ، مثلًا في استعارةِ هيهاتَ لمعنى عَسُرَ إمَّا أنْ تقولَ شَبَّهَ العُسْرَ بالبُعدِ، واستُعيرَ البُعدُ للعسيرِ، واشْتَقَّ من البُعدِ بمعنى العُسْرِ، وجَعَلَ هيهاتَ بمعنى بَعُدَ المستعارِ لمعنى عَسُرَ، وإمَّا أن تقولَ شَبَّهَ مُطلَقَ العُسْرِ بمُطلَقِ البُعدِ في مَنْعِ التحصيلِ وعدَمِ النَّيْلِ مَثلًا، فَسَرَى التشبيهُ إلى فَردَيْهما؛ إمَّا اللذيْنِ في ضِمْنَيْ بَعُدَ وعَسُرَ، وإمَّا اللذيْنِ في ضِمْنَيْ هيهاتَ وعَسُرَ، واستُعِيرَ بِناءً على هذا التشبيهِ الحاصلِ بالسِّرايةِ إمَّا بَعُدَ لِعَسُرَ، وجَعَلَ هيهاتَ بمعنى بَعُدَ المستعارِ لمعنى عَسُرَ، وإمَّا هيهاتَ نفسُه من معنى بَعُدَ لمعنى عَسُرَ تَقليلًا للكُلفةِ. ومَثلًا في استعارةِ لفظِ هذا الأمرِ معقولٌ، تقولُ: شَبَّهَ مُطلَقَ المعقولِ بمُطلَقِ المحسوسِ في قَبولِ التمييزِ والتعيينِ، فسَرَى التشبيهُ إلى جزئيَّاتِه، فاستُعيرَ لفظُ هذا الموضوعِ لجُزْئَي المشبَّهِ به الذي سَرَى إليه التشبيهُ من كِلَيْهِ لجُزْئَيِ المشبَّهِ الذي قُصِدَ المبالَغةُ في بيانِ تعيينِه. ومَثلًا في استعارَ لفظَ أَنْتِ بكسْرِ التاءِ لخطَابِ المذكَّرِ تقولُ شَبَّهَ مُطلَقَ مخاطَبٍ فيه تَخَنُّثٌ بمطلَقِ مخاطَبَةٍ فيها تَخَنُّثٌ بجامعِ مطلَقِ التخنُّثِ وعدَمِ الشهامةِ في كلٍّ، فسَرَى التشبيهُ إلى جُزئيَّاتِهما، فاستُعيرَ لفظُ أنتِ بكسرِ التاءِ من المخاطَبِ المؤنَّثِ الجزئيِّ الذي سَرَى إليه الشبيهُ من كِلَيْهِ للمخاطَبِ المذكَّرِ الجزئيِّ الذي قُصِدَ المبالَغةُ في بيانِ تخنُّثِه وعدَمِ شهامتِه. وتقولُ في استعارةِ لفظِ أنتَ بفتحِ التاءِ لخِطابِ المؤنَّثِ شَبَّهَ مُطلَقَ مخاطَبةٍ فيها شهامةٌ وعدَمُ تَخَنُّثٍ بمطلَقِ مخاطَبٍ فيه ذلكَ بجامِعِ مطلَقِ الشهامةِ وعدَمِ التخنُّثِ في كلٍّ، فسَرَى التشبيهُ إلى جزئيَّاتِهما، فاستُعيرَ لفظُ أنتَ بفتحِ التاءِ من المخاطَبِ المذكَّرِ الجزئيِّ الذي سَرَى إليه التشبيهُ من كِلَيْهِ للمخاطَبةِ المؤنَّثةِ الجزئيَّةِ التي قُصِدَ المبالَغةُ في بيانِ شَهامتِها وعدَمِ تَخَنُّتِها، وعلى هذا قيامُ استعارةِ لفظِ الذي للأُنثى لشَبَهِها به في الشهامةِ وعدَمِ التخنُّثِ، واستعارةِ لفظِ التي للمذكَّرِ لشَبَهِه بها في التخَنُّثِ وعدَمِ الشهامةِ، والمرادُ الاسمُ المشتَقُّ ولو تأويلًا، فيَشملُ المصغَّرَ والمنسوبَ. ففي نحوِ استعارةِ رُجَيْلٍ للكبيرِ المُتعاطِي ما لا يَليقُ به، واستعارةِ قُرَشِيٍّ للمتخلِّقِ بأخلاقِ قريشٍ، إمَّا أنْ تقولَ: شَبَّهَ تَعاطِي ما لا يَليقُ والتخلُّقَ بأخلاقِ قريشٍ بالصغَرِ والانتسابِ إليهم، واستُعيرَ الصغَرُ والانتسابُ للتعاطي والتخلُّقِ، واشْتُقَّ الصغيرُ والمنتسِبُ إلى قريشٍ بمعنى المُتعاطِي ما لا يَليقُ والمتخلِّقِ بأخلاقِ قريشٍ من الصغَرِ والانتسابِ، بمعنى التعاطي والتخلُّقِ، وجُعِلَ رُجَيْلٌ وقُرَشِيٌّ بمعنى المتعاطِي والمتخلِّقِ، وإمَّا أنْ تقولَ: شَبَّهَ مُطلَقَ تَعاطي ما لا يَليقُ، ومُطلَقَ التخلُّقِ بأخلاقِ قريشٍ، بمطلَقِ الصِّغَرِ ومطلقِ الانتسابِ إليهم، فسَرَى التشبيهُ إلى فَرْدَي المشبَّهِ والمشبَّهِ به اللذيْنِ في ضِمْنَيْ مُتعاطِي ما لا يَليقُ ورُجَيْلٌ، وضِمْنَيْ متَخَلِّقٍ وقُرَشِيٍّ، واستُعيرَ بِناءً على التشبيهِ الحاصلِ بالسِّرايةِ لفظُ رُجيلٍ للمتعاطِي ما لا يَليقُ، ولفظُ قُرَشِيٍّ للمتخلِّقِ بأخلاقِ قُرَيْشٍ. (قولُه: فِعْلًا) ، أقسامُ استعارتِه ثمانيةٌ: الأوَّلُ، استعارتُه باعتبارِ مادَّتِه فقطْ، أي: حروفِه الدالَّةِ على الحدَثِ، كما في استعمالِ قَتَلَ في معنى ضَرَبَ شديدًا، فيُقالُ: شَبَّهَ مُطلَقَ الضربِ الشديدِ بمطلَقِ القتْلِ، فسَرَى التشبيهُ منهما إلى الضربِ الشديدِ والقتلِ اللذيْنِ في ضِمْنَيْ ضَرَبَ وقَتَلَ، فصارَ هذا الضربُ الشديدُ الجزئيُّ الضِّمْنِيُّ بسببِ السرايةِ مشبَّهًا، والقتلُ الجزئيُّ الضِّمْنِيُّ مشبَّهًا به، واستُعيرَ بِناءً على هذا التشبيهِ الحاصلِ بالسرايةِ لفظُ قَتَلَ لمعنى ضَرَبَ شديدًا. القِسمُ الثاني، استعارتُه باعتبارِ الهيئةِ فقطْ من حيثُ دَلالتِها على الزمانِ فقطْ، كما في استعارةِ الفعْلِ الماضي للمستقبَلِ في نحوِ قولِه تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} ، فيُعْتَبَرُ حينئذٍ إمَّا تشبيهُ مطلَقِ الزمانِ المستقبَلِ بمطلَقِ الزمانِ الماضي في مطلَقِ تحقُّقِ الوقوعِ في كلٍّ وسَرَيَانِه إلى الزمانييْنِ الجزئيَّيْنِ اللذيْنِ في ضِمْنِ فتَحْنَا ونَفتَحُ، فيُستعارُ بِناءً على هذا التشبيهِ الحاصلِ بالسرايةِ لفظُ فتَحَ لمعنى نَفْتَحُ. وإمَّا تشبيهُ مُطلَقِ الفتْحِ في المستقبَلِ بمُطلَقِ الفتْحِ في الماضي، واستعارَ لفظَ الثاني للأوَّلِ، فيُشتَقُّ الفعلُ من المصدَرِ المستعارِ. وإمَّا تشبيهُ مُطلَقِ الفتْحِ في المستقبَلِ بمُطلَقِ الفتْحِ في الماضي، وسَرَيانُ التشبيهِ إلى ما في ضِمْنَيْ فَتَحْنَا و نَفتَحُ، فيُستعارُ بِناءً على هذا التشبيهِ الحاصلِ بالسرايةِ لفظُ فتَحْنا لمعنى نَفتَحُ. القسمُ الثالثُ، استعارتُه باعتبارِ الهيئةِ من حيثُ دَلالتُها على النِّسبةِ، كما في استعمالِ هَزَمَ الأميرُ الجُندَ في معنى هَزَمَ الجيشُ الجندَ، على ما للعَضُدِ، ويَلزَمُه أن لا يقولَ بالمجازِ العقليِّ. نعمْ له أن يُسَمِّيَ هذا القسمَ من المجازِ اللغويِّ مجازًا عقليًّا؛ لأنَّ التجوُّزَ فيه باعتبارِ أمْرٍ معقولٍ يُدرَكُ بالعقْلِ، وهو الإسنادُ، فيُعتبَرُ حينئذٍ إمَّا تشبيهُ النِّسبةِ السببيَّةِ المُطلَقةِ بالنِّسبةِ الفاعليَّةِ المُطلَقةِ في شدَّةِ احتياجِ الفعلِ إليهما، أو في كمالِ الملابَسةِ وقوَّتِها، وسَريانِ التشبيهِ إلى النسبتيْنِ الجزئيَّتيْنِ اللتيْنِ في ضِمْنَيْ هَزَمَ المُسْنَدِ إلى الفاعلِ الحقيقيِّ، وهزَمَ المُسْنَدِ إلى السببِ، فيُستعارُ بناءً على هذا التشبيهِ الحاصلِ بالسرايةِ هزَمَ من النِّسبةِ الفاعليَّةِ للنسبةِ السببيَّةِ، وإمَّا تشبيهُ الهزْمِ المنسوبِ إلى السببِ مُطلَقًا بالهزْمِ المنسوبِ إلى الفاعلِ مُطلَقًا، واستعارةُ لفظِ الثاني لمعنى الأَوَّلِ، فيُشتقُّ هَزَمَ في هزَمَ الأميرُ الجنْدَ من المصدَرِ المستعارِ. وإمَّا تشبيهُ الهزْمِ المنسوبِ إلى السببِ مُطلَقًا بالهزْمِ المنسوبِ إلى الفاعلِ مُطلَقًا، وسريانُ التشبيهِ إلى ما في ضِمْنَيْ هزَمَ المُسْنَدِ إلى السببِ وهزَمَ المُسْنَدِ إلى الفاعلِ، فيستعارُ بِناءً على هذا التشبيهِ الحاصلِ بالسرايةِ هزَمَ من النِّسبةِ الفاعليَّةِ للنسبةِ السببيَّةِ، وما ذهَبَ إليه العضُدُ في نحوِ هزَمَ الأميرُ الجندَ هو أحَدُ أقوالٍ ستَّةٍ فيه. والثاني، ما سيأتي من مذْهَبِ الجمهورِ من أنَّ التجوُّزَ فيه في أمْرٍ معنويٍّ فقط، وهو إسنادُه لغيرِ مَن هو له لملابَسةٍ بينَهما. والثالثُ مذهَبُ ابنِ الحاجبِ، أنَّ التجوُّزَ فيه في أمْرٍ لفظيٍّ هو الفعلُ باعتبارِ الحدَثِ بأن يُجعَلَ الهزْمُ بمعنى الأمْرِ به. والرابعُ مذْهَبُ السكَّاكيِّ، أنَّ التجوُّزَ فيه في أمرٍ لفظيٍّ هو المُسْنَدُ إليه بجعْلِ الأميرِ مستعارًا للجيشِ الادِّعائيِّ بقرينةِ نِسبةِ الهزْمِ إليه على طريقِ المكنيَّةِ عندَه. والخامسُ مذهَبُ الشيخِ عبدِ القاهرِ، أنَّ التجوُّزَ فيه في الهيئةِ التركيبيَّةِ بأنْ تُشبَّهَ هيئةُ تدبيرِ الأميرِ في كسْرِ العدوِّ وأمرُه بتحصيلِ الآلاتِ بهيئةِ كسْرِ الجيشِ للعدوِّ وملاقاتِهم له، ويُستعارُ التركيبُ الدالُّ على الثاني للأوَّلِ بِناءً على أنَّ الأصلَ هزَمَ الجيشُ الجندَ؛ لأنَّ هذا هو اللفظُ الدالُّ على الهيئةِ المشبَّهِ بها، فحُذِفَ الجيشُ اتِّكالًا على ظهورِه، وذُكِرَ الأميرُ قرينةً للتجوُّزِ. وعلى هذه الأقوالِ فالتجوُّزُ فيه بمعنى جَعْلِ الشيءِ في غيرِ موضعِه بتأوُّلٍ. والسادسُ لبعضِهم، أنَّ التجوُّزَ فيه بمعنى خلافِ الأصلِ بحذفِ المضافِ، والأصلُ هزَمَ جيشُ الأميرِ، فاعرِفْ ذلكَ. القسْمُ الرابعُ، استعارتُه باعتبارِ مادَّتِه وهيئتِه من حيثُ الزمانُ فقطْ، كقَتْلِ زيدٍ عمْرًا بمعنى يضْرِبُه ضربًا شديدًا. القسمُ الخامسُ، استعارتُه باعتبارِ مادَّتِه وهيئتِه من حيثُ النِّسبةُ فقط، كقَتَلَ الأميرُ زيدًا بمعنى ضرَبَه خَدَمَتُهُ ضربًا شديدًا، ونُسِبَ للأميرِ لكونِه الآمِرَ. القِسمُ السادسُ، استعارتُه باعتبارِ المادَّةِ والهيئَةِ منْ حيثُ الزمانُ والنِّسْبةِ معًا، كقتلِ الأميرِ زيدًا بمعنى سيضربُه خَدَمَتُهُ ضربًا شديدًا. القسْمُ السابعُ، استعارتُه باعتبارِ الهيئةِ فقط من حيثُ الزمانُ والنِّسبةُ معًا، كقَتْلِ الأميرِ العدوَّ بمعنى سيقتلُه خَدَمَتُهُ. وإجراءُ الاستعارةِ في هذه الأقسامِ الأربعةِ ظاهرٌ من جرَيَانِها في الأقسامِ الثلاثةِ قبلَها بطريقِ المقايَسةِ. القسمُ الثامنُ، استعارتُه من الحدَثِ المتحقِّقِ في الماضي إلى الحدَثِ المفروضِ فيه ليُرَتِّبَ على المفروضِ ما يُرتِّبُ على المحقَّقِ، كما استخرَجَهُ الخفاجيُّ من تقريرِ صاحبِ الكشَّافِ لقولِ عُمَرَ رضِيَ اللَّهُ عنهُ لأبي مُوسى الأشعريِّ في كاتبِه النصرانيِّ: ماتَ النصرانيُّ والسلامُ، بقولِه يعني: هَبْ أنَّه قد ماتَ فما كنتَ صانعًا فاصنَعْهُ الساعةَ واستغْنِ عنهُ بغيرِه ا. هـ. وهو صريحٌ في أنَّ استعمالَ الألفاظِ في معانيها الفرضيَّةِ مجازيٌّ ولا يَظهَرُ إلَّا على القولِ بأنَّ مدلولاتِ الألفاظِ الأمورُ الخارجيَّةُ فيُعتبرُ بَعْدَ تشبيهِ الحدثِ المفروضِ في الماضي بالحدَثِ المحقَّقِ فيه بجامعِ تَرَتُّبِ العزْلِ والاستغناءِ على كلٍّ إمَّا استعارَةُ لفظِ المصدرِ من المحقَّقِ للمفروضِ، ثمَّ يُشتقُّ ماتَ من المصدرِ المستعارِ، وإمَّا سَريانُ التشبيهِ لما في ضمْنَي الفعليْنِ واستعارةُ ماتَ من الحدَثِ المحقَّقِ في الماضي للحدثِ المفروضِ فيه، وإمَّا على القولِ بأنَّ مدلولاتِ الألفاظِ الأمورُ الذهنيَّةُ، فلا يَظهرُ إلَّا إذا جُعِلَ من قبيلِ استعمالِ الكلِّيِّ في فردِه من حيثُ خُصوصُه مجازًا مرسَلًا علاقتُه العامِّيَّةُ لا استعارةً، كالإنسانِ في زيدٍ من حيثُ تشخُّصُه لا من حيثُ كونُه فردًا، فافْهَم. وقالَ بعضُهم: الذي يُفيدُه قولُ صاحبِ الكشَّافِ المذكورُ أنَّ قولَ عُمَرَ رضِيَ اللَّهُ عنهُ ماتَ خبرٌ استُعْمِلَ في إنشاءٍ، فيكونُ من المجازِ المركَّبِ لعَلاقةِ غيرِ المشابَهةِ كما سيأتي.

(قولُه: أو حرفًا) ، اعلمْ أنَّ الحرفَ إن كانَ له معنًى واحدٌ فقط كلَمْ كان فيه حقيقةً، وفي غيرِه مجازًا تبعيًّا، وإن كان لمعانٍ متعدِّدةٍ مُتبادَرةٍ منه كان فيه من قبيلِ استعمالِ المشترَكِ فيما وُضِعَ له على التحقيقِ، وفي غيرِها مجازًا تبعيًّا، إن كان الحرفُ من غيرِ حروفِ الجرِّ والجزْمِ والنصبِ، وإلَّا بأن كان منها، فالكوفيُّونَ على جوازِ نيابةِ بعضِها عن بعضٍ بلا شذوذٍ، وفي اتِّفاقِهم على أنَّها في غيْرِ المتبادَرِ منها حقيقةً، أو اختلافِهم في أنَّها في غيرِ المتبادَرِ حقيقةً أو مجازًا، قولَا الأميرِ والصبَّانِ. ثالثُها قولُ الخُضَرِيِّ: إنَّها في غيرِ المتبادَرِ مجازٌ عندَهم وعندَ بعضِ المتأخِّرينَ. والبصريُّون على منْعِ نيابةِ بعضِها عن بعضٍ وحمْلِ ما وَرَدَ منهُ على التجوُّزِ في غيرِ الحرفِ، كجعْلِ الفعلِ في نحوِ: وقد أحسَنَ بي، مضمَّنًا معنى لَطَفَ، والجُذُوعِ في قولِه تعالى: {لَأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوعِ النَّخْلِ} استعارةً بالكنايةِ بتشبيهِها في النفسِ بالظرفِ الحقيقيِّ بجامعِ التمكُّنِ وفي تخييلٍ، أو على التجوُّزِ في الحرفِ شذوذًا. (قولُه: أو اسمًا مشتقًّا) ، بما أنَّ الاسمَ المشتقَّ مُطلَقًا يَدلُّ على الحدَثِ بمادَّتِه، وعلى الذاتِ والنِّسبةِ بهيئتِه، تكونُ أقسامُ استعارتِه أيضًا سبعةً: الأوَّلُ، استعارتُه باعتبارِ مادَّتِه فقط، كما في استعارةِ لفظِ القاتلِ لمعنى الضاربِ ضربًا شديدًا، أو لفظِ المَرْقَدِ اسمِ مكانِ الرقودِ لمعنى المماتِ اسمِ مكانِ الموتِ، بأن يُعتبَرَ بَعْدَ تشبيهِ الموتِ بالرقودِ بجامِعِ تَعَطُّلِ القُوى البدنيَّةِ وانعزالِها عن أعمالِها الطبيعيَّةِ لكلٍّ إمَّا استعارةُ الرقودِ للموتِ واشتقاقُ المرقَدِ من الرقودِ المستعارِ للموتِ، وإمَّا سريانُ التشبيهِ لما في ضِمْنَي المَرْقَدِ والمماتِ، واستعارةُ الأوَّلِ للثاني بِناءً على التشبيهِ الحاصلِ بالسرايةِ. القسمُ الثاني، استعارتُه باعتبارِ الهيئةِ فقط من حيثُ دَلالتُها على الذاتِ فقط، كما في استعارةِ المِرْقَدِ بكسرِ الميمِ اسمِ آلةٍ لمعنى المَرقدِ بفتحِها اسمِ مكانٍ قَصْدًا للمبالَغةِ في وصْفِ مكانِ الرقودِ بأنَّ له دخلًا عظيمًا في إرقادِ كلِّ مَن استقرَّ به بحيثُ كأنَّه يَتوسَّطُ بينَ الحدثِ الذي هو الرقودِ وفاعلِه الذي هو الراقدُ في اتِّصافِه به توسُّطَ الآلةِ بأن يُعتبَرَ تشبيهُ المكانِ مُطلَقًا بالآلةِ مُطلَقًا، وسريانُه إلى ما في ضِمْنَي المَرقَدِ بالفتْحِ والمِرقَدِ بالكسْرِ، واستعارةُ لفظِ الثاني لمعنى الأوَّلِ بِناءً على التشبيهِ الحاصلِ بالسرايةِ، أو يُعتبَرُ بَعْدَ تشبيهِ الرقادِ المتعلِّقِ بالمكانِ لحصولِه فيه بالرُّقَادِ المتعلِّقِ بالآلةِ لتوَسُّطِها بينَه وبينَ فاعلِه، إمَّا استعارةُ لفظِ الرقادِ المتعلِّقِ بالآلةِ لمعْنَى الرُّقادِ المتعلِّقِ بالمكانِ، ويُشتقُّ من المستعارِ المِرْقَدِ بكسْرِ الميمِ. والحقُّ أنَّ الحدثَ المتعلِّقَ بالآلةِ الذي هو المشبَّهُ به مغايرٌ بالذاتِ للحدَثِ المتعلِّقِ بالمكانِ الذي هو المشبَّهُ، فتَمَّ القياسُ. وإمَّا سَريانُ التشبيهِ لما في ضِمْنَي المشتقَّيْنِ، أعني المَرقدَ بفتْحِ الميمِ والمِرقدَ بكسْرِها، واستعارةُ الثاني لمعنى الأوَّلِ بِناءً على التشبيهِ الحاصلِ بالسرايةِ. القسمُ الثالثُ، استعارتُه باعتبارِ الهيئةِ فقط من حيثُ النِّسبةُ فقط، نحوَ: الأميرُ هازمٌ للجنْدِ؛ لأنَّ نِسبةَ اسمِ الفاعلِ هي نِسبةُ الحدَثِ المفهومِ منه لمَن قامَ به، وهو الذاتُ المفهومةُ منه أيضًا، وقد تَجوزُ فيه من تلكَ النِّسبةِ إلى النِّسبةِ للسببِ بأن اعتُبِرَ تشبيهُ النِّسبةِ السببيَّةِ المُطلَقةِ بالنِّسبةِ الفاعليَّةِ المُطلَقةِ في شدَّةِ احتياجِ الحدَثِ إليهما مثلًا، وسريانِه إلى ما في ضِمْنَي الوصفيْنِ، أعني هازِمٌ المُسْنَدُ إلى الفاعلِ الحقيقيِّ وهازمٌ المُسْنَدُ إلى السببِ، واستعارةُ هازمٍ من النِّسبةِ الفاعليَّةِ الجزئيَّةِ للنِّسبةِ السببيَّةِ الجزئيَّةِ، أو اعتُبِرَ بعدَ تشبيهِ الهزْمِ المنسوبِ إلى السببِ مُطلَقًا بالهزْمِ المنسوبِ إلى الفاعلِ مُطلَقًا، إمَّا استعارةُ لفظِ الثاني للأوَّلِ ويُشتَقُّ من المستعارِ الوصفُ، وإمَّا سريانُ التشبيهِ إلى الهزْمِ المنسوبِ إلى السببِ، والهزْمِ المنسوبِ إلى الفاعلِ الجزئيَّيْنِ اللذيْنِ في ضِمْنَيْ هازِمٌ المُسْنَدِ إلى السببِ وهازمٌ المُسْنَدِ إلى الفاعلِ، واستعارةُ هازمٌ من النِّسبةِ الفاعليَّةِ للنسبةِ السببيَّةِ بِناءً على التشبيهِ الحاصلِ بالسرايةِ، فافْهَمْ.

القسمُ الرابعُ، استعارتُه باعتبارِ المادَّةِ الدالَّةِ على الحدَثِ والهيئةِ من حيثُ دَلالتُها على خُصوصِ الذاتِ كاستعارةِ مِقتَل بكسرِ الميمِ لمعنى المَضرِبِ بفتحِها أي مكانِ الضربِ الشديدِ الذي كأنَّه آلةٌ في حُصولِه.

القِسمُ الخامسُ، استعارتُه باعتبارِ المادَّةِ الدالَّةِ على الحدَثِ والهيئةِ من حيثُ دَلالتُها على خصوصِ النِّسبةِ، كما في نحوِ: الأميرُ قاتلُ زيدٍ، بمعنى أنَّ خَدَمَتَهُ ضاربُوهُ ضربًا شديدًا.

القسمُ السادسُ، استعارتُه باعتبارِ المادَّةِ الدالَّةِ على الحدَثِ والهيئةِ من حيثُ دَلالتُها على الذاتِ والنِّسبةِ معًا، كاستعارةِ مِقْتَلِ بكسرِ الميمِ لمعنى الضاربِ ضربًا شديدًا، أيِ الآمرِ بالضربِ الشديدِ الذي كأنَّه آلةٌ في حصولِه.

القسمُ السابعُ، استعارتُه باعتبارِ الهيئةِ فقط من حيثُ دَلالتُها على الذاتِ والنِّسبةِ معًا كاستعارةِ مِقتلِ بكسرِ الميمِ لمعنى القاتِلِ، أي الآمرِ بالقتلِ الذي كأنَّه آلةٌ في حصولِ القتْلِ. هذا خُلاصةُ ما في رِسَالَتَي البَيَانيَّةِ الملخَّصَةِ من بيانيَّةِ الصبَّانِ وحاشيةِ الْأَنْبَابِيِّ عليها، وإنْ أردْتَ زيادةَ تحقيقٍ فعليكَ بمراجعةِ حاشيةِ الأَنْبَابِيِّ معَ بيانيَّةِ الصبَّانِ، فافهَمْ.

(4) (154) (قولُه: نحوَ: ركِبَ فلانٌ كَتِفَيْ غريمِه) ، ويُقالُ في إجرائِها على مذهَبِ القومِ: شبَّهَ اللزومَ الشديدَ بالركوبِ بجامعِ السلطةِ والقهْرِ، واستُعِيرَ لفظُ المشبَّهِ به وهو الركوبُ للمُشبَّه وهو اللزومُ، ثمَّ اشتُقَّ من الركوبِ بمعنى اللزومِ رَكِبَ بمعنى لزِمَ على طريقِ الاستعارةِ التصريحيَّةِ التبعيَّةِ، وأمَّا على مذهبِ العصامِ فيُقالُ: شبَّهَ اللزومَ بالركوبِ بجامعِ السلطةِ والقهْرِ، فسَرَى التشبيهُ من معنى المصدَرَيْنِ الذي هو الحدَثُ المُطلَقُ إلى معنى الفِعلَيْنِ الذي هو الحدَثُ المقيَّدُ بالزمَنِ الماضي، ثمَّ اسْتُعِيرَ بناءً على التشبيهِ الحاصلِ بطريقِ السِّرايةِ والتَّبَعِ رَكِبَ لمعنى لَزِمَ على طريقِ الاستعارةِ التصريحيَّةِ التبعيَّةِ.

(5) (155) (قولُه: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} ) ، بِناءً على أنَّ على هنا مُستعارةٌ من الاستعلاءِ الحسِّيِّ للاستعلاءِ المعنويِّ، ويُقالُ في إجرائِها: شبَّهَ مُطلَقَ ارتباطٍ بينَ مهدِيٍّ وهُدًى بمُطلَقِ ارتباطٍ بينَ مستَعْلٍ ومستعلًى عليه بجامِعِ التمكُّنِ في كلٍّ، فسَرَى التشبيهُ منُ الكلِّيَّيْنِ للجزئيَّاتِ، ثمَّ اسْتُعِيرَ على مِن جُزْئِيٍّ من جزئيَّاتِ المُشبَّهِ به لجُزْئِيٍّ من جزئيَّاتِ المُشبَّهِ على طريقِ الاستعارةِ التصريحيَّةِ التبعيَّةِ. وفيه أنَّ على هنا حقيقةٌ لا مجازٌ، لِمَا نَقَلَهُ العلَّامَةُ الخُضَريُّ عن المحقِّقِ الدَّمامينيِّ من أنَّ على للاستعلاءِ، وهو حقيقيٌّ إن كانَ العلوُّ على نفسِ المجرورِ حسًّا نحوَ: زيدٌ على السطْحِ، أو معنى {كَفَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} ، {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ} ، ومجازيٌّ إن كان العلوُّ على ما يَقرُبُ من المجرورِ، نحوَ: {أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} ، أي: هاديًا. ا. هـ.

ولا شكَّ أنَّ على هنا للعلوِّ على نفسِ المجرورِ معنًى، فالمناسبُ التمثيلُ بنحوِ {أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} ، وإجراءُ الاستعارةِ فيه أن يُقالَ: شبَّهَ مُطلَقَ ارتباطٍ بينَ مستعْلٍ وما يَقْرُبُ من المستَعْلَى عليه بمُطلَقِ ارتباطٍ بينَ المستعلِي ونفسِ المستعلَى عليه بجامعِ مُطلَقِ التمكُّنِ في كلٍّ، فسَرَى التشبيهُ من الكلِّيَّيْنِ إلى الجزئيَّاتِ، ثمَّ استعيرَتْ على مِن جُزْئِيٍّ من جزئيَّاتِ المُشبَّهِ به لجُزْئِيٍّ من جُزْئيَّاتِ المُشبَّهِ على طريقِ الاستعارةِ التصريحيَّةِ التبعيَّةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت