الصفحة 76 من 86

(المجازُ المُرسَلُ [1]

(1) (قولُه: المَجازُ المرسَلُ) ، أخَذَ العلَّامةُ السَّمَرْقَنْدِيُّ من كلامِ السكَّاكِيِّ في المفتاحِ، وكلامِ السَّعْدِ في شرحِ التلخيصِ، أنَّه يَنقسمُ إلى أصليٍّ وتَبَعِيٍّ كالاستعارةِ، وأيَّدَه جمهورُ المحقِّقينَ بعدَهُ، بأنَّ المجازَ المرسَلَ لمَّا كان لا بُدَّ له من عَلاقةٍ يَتَّصِفُ بها الطرفانِ؛ المنقولُ عنه والمنقولُ إليه، ولا يَصلُحُ لكونِه موصوفًا أو محكومًا عليه إلَّا المستقلُّ أصالةً كالمصدرِ ونحوِ الرقبةِ والأصابعِ واليتَامى والخمرِ، وكان مَفهومُ المشتقِّ حقيقةً أو حكْمًا، والاسمُ المُبهمُ والحرفُ غيرَ مستقِلٍّ لِمَا مَرَّ في الاستعارةِ، لزِمَ أن يكونَ الأصلُ الذي تُعتبَرُ فيه عَلاقتُه أوْ لا أيضًا في الحرفِ هو متعلِّقُ معناهُ الكُلِّيِّ كالابتداءِ والتعليلِ، وفي الاسمِ المبهَمِ إمَّا متعلِّقُ معناهُ الكلِّيِّ كالحرفِ، وإمَّا مصدرُ المشتَقِّ الذي هو في تأويلِه وفي المشتَقِّ حقيقةً أو حكْمًا هو المصدَرُ. وصرَّحَ شيخُ الإسلامِ بأنَّهُ لا تبعيَّةَ عندَ البيانيِّينَ والأصوليِّينَ إلَّا في الاستعارةِ، فافْهَمْ.

(قولُه: المرسَلُ) ، أي: المُطلَقُ عن التقييدِ بعَلاقةٍ مخصوصةٍ، بل أنْهَى بعضُهم علاقاتِه إلى نَيِّفٍ وثلاثينَ عَلاقةً، والتحقيقُ أنَّها عِشرونَ عَلاقةً فقطْ، وهي مجموعةٌ في قَولِي:

علِّق بكلِّ سببٍ أوَّلٍ بَدَلْ ... * ... ولازِمْ عمومَ إطلاقِ المحَلِّ

مقابِلٍ لذِي تعلُّقٍ حَصَلْ ... * ... جوازُ استعدادِ آلةِ العمَلْ

اقتَصَرَ المصنِّفُ منها على ثمانيةٍ.

(9) الآليَّةُ: أي كونُ الشيءِ واسطةً في إيصالِ المؤثِّرِ للمتأثِّرِ، كقولِه تعالى: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} ، أي: ذكْرًا صادقًا وثناءً حَسَنًا، ولم يَعُدُّوا كونَ الشيءِ ناشئًا عن آلةٍ من العلاقاتِ لعدَمِ ورودِه.

(10) الملزوميَّةُ الخاصَّةُ: أي كونُ الشيءِ يَجبُ عندَ وجودِه وجودُ شيءٍ آخَرَ، كما في إطلاقِ النارِ على الحرارةِ.

(11) اللازميَّةُ الخاصَّةُ: أي كونُ الشيءِ يَجبُ وجودُه عندَ وجودِ شيءٍ آخَرَ، كما في إطلاقِ الحرارةِ على النارِ.

(12) المُطلَقيَّةُ: أي كونُ الشيءِ مجرَّدًا عن القيودِ كلِّها في الحقيقيِّ كالجوهرِ في الجسمِ، أو بعضِها في الإضافيِّ نحوَ قولِه تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ، أي: العاملونَ.

(13) المُقيَّدِيَّةُ: أي كونُ الشيءِ مقيَّدًا بقيْدٍ أو قيودٍ، وهو أيضًا حقيقيٌ كزيدٍ في إنسانٍ، وإضافيٌّ كإنسانٍ في حيوانٍ، وممَّا عَلاقتُه التقييدُ التجريدُ بمعنى الكلمةِ المُجرَّدةِ عن بعضِ معناها، لا المعدودُ من أنواعِ البديعِ؛ فإنَّه قد يكونُ حقيقةً نحوَ: لَقيتُ من زيدٍ عالمًا، ومَجازًا نحوَ: لقيتُ من زيدٍ أسدًا، وكنايةً نحوَ: لَقيتُ من زيدٍ كثيرَ الرمادِ.

(14) العامِّيَّةُ: أي كونُ الشيءِ شاملًا لكثيرِينَ، وهو أيضًا حقيقيٌّ كالجوهَرِ في الجسمِ النامي، وإضافيٌّ كقولِه تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} ، يعني محمَّدًا صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ.

(15) الخاصِّيَّةُ: أي كونُ الشيءِ له تعيينٌ بحسْبِ ذاتِه، وهو أيضًا حقيقيٌّ كزيدٍ في كلِّ إنسانٍ، وإضافيٌّ كإنسانٍ في كلِّ حيوانٍ.

(16) المستعدِيَّةُ: أي كونُ الشيءِ بحيثُ يُمكِنُ أن يتَّصِفَ بوصفٍ كان ممَّا يَؤُولُ للاتِّصافِ به قطْعًا كما في إطلاقِ الميِّتِ على الحيِّ، أو ظنًّا كما في إطلاقِ الحُرِّ على عبدِ البخيلِ، أو احتمالًا كما في إطلاقِ المُسْكِرِ على خمْرٍ أُريقَتْ. (17) المجاوريَّةُ: أي كونُ الشيءِ مجاورًا لشيءٍ آخَرَ في مكانِه، يعني متَّصِلًا به اتِّصالًا يُعَدُّ في العُرْفِ مجاورةً، كما في إطلاقِ الشجرِ والنباتِ على الأرضِ المجاورةِ لها.

(18) البدلِيَّةُ: أي كونُ الشيءِ بدلًا عن آخَرَ، كما في قولِه تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} ، أي: أدَّيتُم بِناءً على ما قيلَ أنَّ المرادَ القضاءُ الشرعيُّ وهو فعْلُ الشيءِ بعدَ وقتِه على ما فيه.

(19) المُبدليَّةُ: أي كونُ الشيءِ بدلًا عنهُ آخَرُ كقولِكَ: أكلْتُ دَمَ زيدٍ، أي دِيَتَهُ.

(20) التعلُّقِيُّ الاشتقاقيُّ: بمعنى تعلُّقِ أحَدِ المعنييْنِ بالآخَرِ بسببِ الاشتقاقِ، كما في إطلاقِ اسمِ المفعولِ على اسمِ الفاعلِ في قولِه تعالى: {حِجَابًا مَسْتُورًا} ، أي: ساترًا. وهذه العَلاقاتُ معَ عَلاقةِ الاستعارةِ التي هي المشابَهةُ ترجِعُ إلى نوعيْنِ: الأولُ، ما لا يتأتَّى فيه الاعتبارُ من جهةِ المنقولِ عنه تارةً، أو من جهةِ المنقولِ إليهِ أُخرى، وهو اعتبارُ ما كانَ وما يكونُ والمجاوَرةُ والآليَّةُ والتعلُّقُ الاشتقاقيُّ والمشابَهةُ. والثاني، ما يَتأتَّى فيه الاعتبارُ من جهةِ المنقولِ عنه تارةً، ومن جهةِ المنقولِ إليه أخرى، والراجحُ أنَّ الأَوْلى فيه الاعتبارُ من جهةِ المنقولِ عنه؛ لأنَّ المعنى الحقيقيَّ أوْلَى بالاعتبارِ، وقيلَ: من جهةِ المنقولِ إليه؛ لأنَّه المرادُ من اللفظِ، وقيلَ: من جِهتِهِمَا رعايةً لحقِّ كلٍّ منهما. وهذه العلاقاتُ مع كثرتِها وإن كانتْ ترجِعُ إلى اللزومِ بمعنى الملابَسةِ في الجملةِ، لكنَّ هذا اللزومَ العامَّ من حيثُ كونُه لا إشعارَ له بخاصٍّ لم يَكْتَفُوا به في الانتقالِ بل اشتَرَطُوا نوعًا من أنواعِه المذكورةِ؛ إذ المعنى المجازيُّ لا يكونُ إلَّا نوعَ لازِمٍ خاصًّا ومرادًا من حيثُ خُصوصُه النوعيِّ، واللازمُ الخاصُّ إنَّما يُنْتَقَلُ إليه بلزومِه الخاصِّ به، ولا بُدَّ من سماعِ ذلكَ النوعِ المنتقَلِ به في ضِمْنِ فردٍ من أفرادِه، فمتى كان استعمالُ اللفظِ في غيرِ ما وُضِعَ له لملاحَظةِ عَلاقةٍ سُمِعَ نوعُها وقرينةٍ مانِعةٍ أيضًا كان مَجازًا صحيحًا، إلَّا إذا عُلِمَ أو ظُنَّ وجودُ مانعٍ، إمَّا من الصحَّةِ رأْسًا كفوَاتِ شرطِ تثنيةٍ أو جمعٍ وإلزامِ اللفظِ تعديةً بالنفسِ أو بحرفِ جرٍّ على خلافِ ما كان عليه بجَعْلِ تلكَ التعدِيَةِ هي قرينةَ المجازِ كما في التضمينِ على رأيِ غيرِ الأكثرينَ ممَّن يقولُ بعدَمِ قياسيَّتِه، أو من القبولِ عندَ البُلغاءِ كما في الانتقالِ من معنى اللفظِ إلى غيرِ ما التَزَمُوا الانتقالَ إليه في عُرْفِهم في قولِه:

* وتَسْكُبُ عَيْنَايَ الدموعَ لِتَجْمُدا *

حيثُ تَجوزُ بجمودِ العينِ إلى السرور، ِ وهو غيرُ المعنى الذي اعتيدَ الانتقالُ إليه حتَّى صارَ الذهنُ لا يَنتقلُ من معنى اللفظِ في عُرفهِم إلَّا إليه، وهو بُخلُها بالدموعِ حالَ إرادةِ البكاءِ. أو عُلِمَ امتناعُ استعمالِه مع العَلاقةِ فحُكِمَ بوجودِ مانعٍ هناكَ إجمالًا، كما في إطلاقِ الشبَكَةِ على الصيدِ للمجاوَرَةِ، والأبِ على الابنِ للسبَبِيَّةِ، والابنِ على الأبِ للمسبَّبيَّةِ، وكما في استعمالِ نحوِ أُحادٍ وسُداسٍ المعدولِ عن ألفاظِ العددِ ليَدُلَّ على التَّكرارِ في واحدةٍ وستٍّ مُفْرَدَيْنِ للكلِّيَّةِ كما قالَه الشيخُ عبدُ الهادي نجا في القَصْرِ تَبعًا لصاحبِ المُغنِي في جعلِه الاستعمالَ المذكورَ في قولِ المتنبِّي:

أُحادٌ أمْ سُداسٌ في أُحَادِي ... * ... ليلتُنا المنوطةُ بالتَّنادِي لحنًا.

وخالَفَ في ذلكَ العلَّامَةَ الأميرَ المانِعَ كونَهُ لحنًا؛ نَظَرًا لكونِ عَلاقتِه الكلِّيَّةِ سُمِعَ نوعُها، والمجازُ لا يَشترِطُ سماعَ شخصِه، فتأمَّلْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت