الصفحة 79 من 86

المركَّبُ أن يُستَعْمَلَ في غيرِ ما وُضِعَ له لعَلاقةِ غيرِ المشابَهةِ، سُمِّيَ مجازًا مركَّبًا كالجُمَلِ الخبريَّةِ إذا استُعْمِلَتْ في الإنْشاءِ، نحوَ قولِه:

هَوايَ مع الركْبِ اليَمَانِينَ مُصعِدَا * جَنيبٍ وجُثْمَاني بمكَّةَ مُوثَقُ

فليسَ الغرَضُ من هذا البيتِ الإخبارَ، بل إظهارَ التحزُّنِ والتحَصُّرِ. وإن كانت عَلاقتُه المشابَهةَ [1] سُمِّيَ استعارةً تَمثيليَّةً [2] ، كما يُقالُ للمتردِّدِ في أمْرٍ: أَراكَ تُقدِّمُ رِجْلًا وتُؤَخِّرُ أُخْرَى [3] .

(1) (قولُه: وإنْ كانتْ عَلاقتُه المشابَهةَ إلخ) ، اعلَمْ أنَّه متى تَحقَّقَتْ في المجازِ المركَّبِ عَلاقةُ المشابَهةِ، ولو تَحقَّقَ معها غيرُها، لا يصِحُّ العدولُ عنها إلى غيرِها؛ لأنَّها عَلاقةُ التمثيليَّةِ، والتمثيليَّةُ هي مَحطُّ رِكابِ البُلغاءِ ومَطمَحُ نظرِهم فلا يَلتفِتُونَ معها لغيرِها، ألا تَرَى أنَّ قولَهم: إنِّي أراكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وتُؤَخِّرُ أُخْرى، قد تَحقَّقَ فيه عَلاقةُ المشابَهةِ كما تَحقَّقَ فيه عَلاقةُ الملزوميَّةِ؛ إذ تقديمُ الرجْلِ وتأخيرُها يَستلزِمُ التردُّدَ، ومع ذلكَ لم يقولوا إنَّ المعتَبَرَ منهما ما لَحِظَهُ المتكلِّمُ كما قالوا ذلكَ في المَجازِ المفرَدِ إذا تحقَّقتْ فيه عَلاقَتَا المشابَهةِ وغيرِها، كما في نحوِ: رأيتُ أسدًا يُرْمَى، بل إنَّما قالوا إنَّه استعارةٌ تمثيليَّةٌ فقط، فافْهَمْ.

(2) (164) (قولُه: سُمِّيَ استعارةً تمثيليَّةً) ، ذهَبَ بعضُ البيانيِّينَ إلى أنَّها لا تكونُ إلَّا أصليَّةً بِناءً على أن تركيبَ لفظِها من متعدِّدٍ ولو تقديرًا شرطٌ. ومعنى المركَّبِ لا يكونُ إلَّا مُستقلًّا، وكلُّ استعارةٍ جَرَتْ في المستَقِلِّ أصليَّةٌ. وذهَبَ بعضٌ آخَرُ إلى أنَّها تارةً تكونُ أصليَّةً، وتارةً تكونُ تبعيَّةً، بِناءً على أنَّه لا يُشترَطُ في لفظِها التركيبُ من متعدِّدٍ، بل الشرطُ دَلالتُه على هيئةٍ منتزَعةٍ من متعدِّدٍ، فيُجعَلُ نحوَ في من قولِه تعالى: {لَأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوعِ النَّخْلِ} استعارةً تمثيليَّةً، بتشبيهِ هيئةِ الاستعلاءِ المركَّبَةِ من المستعلِي والمستعلَى عليه بهيئةِ الظرفيَّةِ المركَّبةِ من ظرْفٍ ومظروفٍ بجامعِ مُطلَقِ التمكُّنِ في كلٍّ إلخ، فتكونُ استعارةً في الحرفِ، وكلُّ استعارةٍ في الحرفِ تبعيَّةٌ، فافْهَمْ.

(3) (قولُه: أَراكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وتُؤَخِّرُ أُخْرى) ، أي: وتُؤخِّرُ تلكَ الرجْلَ تارةً أخرى، ويُقالُ في إجراءِ الاستعارةِ: شبَّهْنَا صورةَ تَردُّدِه في هذا الأمرِ بصورةِ تَردُّدِ مَن قامَ ليَذهَبَ، فتارةً يُريدُ الذهابَ فيُقدِّمُ رِجْلًا، وتارةً لا يُريدُه فيُؤخِّرُ تلكَ الرجْلَ مرَّةً أخرى، بجامعِ مُطلَقِ التردُّدِ في كلٍّ، ثمَّ استعرْنَا اللفظَ الدالَّ على صورةِ المشبَّه به لصورةِ المُشبَّهِ. والأمثالُ السائرةُ كلُّها من قبيلِ الاستعارةِ التمثيليَّةِ، مثلَ: الصيفُ ضيَّعْت اللبنَ، وأَحَشَفًا، وسُوءَ كيلٍ؛ ولذا قالوا: الأمثالُ لا تُغَيَّرُ، وذلكَ أنَّ لفظَ المستعارِ في كلِّ استعارةٍ يُستعمَلُ في معناهُ المجازيِّ على حالتِه عندَ استعمالِه في معناهُ الأصليِّ، ولا يَجوزُ تغييرُه بوجهٍ، فتنَبَّهْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت