الصفحة 80 من 86

(المَجازُ العَقْلِيُّ)

هو إسنادُ الفعْلِ [1] ، أو ما في معناهُ [2] ، إلى غيرِ ما هو له عندَ المتكلِّمِ في الظاهرِ لعَلاقةٍ [3] ، نحوَ قولِه: [4]

(1) (قولُه: هو إسنادُ الفعْلِ إلخ) ، أي: النِّسبةُ الحاصلةُ من ضمِّ لفظِ الفعْلِ الاصطلاحيِّ لغيرِ ما هو له. والنِّسبةُ الحاصلةُ من ضمِّ أيِّ لفظٍ ثَبَتَ في معناهُ، أي معنى الفعلِ التضمُّنِيِّ أو المطابِقِيِّ اللغويِّ، وهو الحدَثُ من مصدَرٍ واسمِ فاعلٍ واسمِ مفعولٍ وصفةٍ مُشبَّهةٍ واسمِ تفضيلٍ وظرفٍ وجارٍّ ومجرورٍ ونحوِ ذلكَ لغيرِ ما هو له، كانت النِّسبةُ إنشائيَّةً أوخبريَّةً ثبوتيَّةً أو سلبيَّةً؛ لأنَّه يُقَدَّرُ فيما فيه سلْبٌ أنَّ الإثباتَ كان قبلَ النفيِ، فيَصدُقُ على قولِنا: ما ربِحَتْ تجارةُ زيدٍ، أو ما تجارتُه رابحةً، أنَّ فيه إسنادَ الربحِ في التقديرِ لغيرِ ما هو له وهو التجارةُ،

وقولُه: (إلى غيرِ ما هو له) ، أي: إلى غيرِ الفاعلِ الذي هو، أي ذلكَ الفعْلُ أو ما في معناهُ، مبنيٌّ له. ويَتبادَرُ من هذا أنَّ ذلكَ الغيرَ غيرٌ في الواقعِ وفي نفسِ الأمرِ، فيتناولُ ما يُطابِقُ الواقعَ والاعتقادَ معًا، كقولِ المؤمنِ: أَنْبَتَ اللَّهُ البَقلَ، لمَن يَعتقِدُ أنَّ المتكلِّمَ يُضيفُ الإنباتَ للربيعِ، وعَلِمَ المتكلِّمُ بذلكَ الاعتقادِ فيكونُ علمُه باعتقادِ المخاطَبِ قرينةً صارفةً للإسنادِ عن ظاهرِه وما يُطابِقُ الواقعَ فقط، كقولِ المعتزِليِّ: خلَقَ اللَّهُ الأفعالَ كلَّها، لمن يَعرِفُ حالَه، وهو يعتقِدُ أنَّ المخاطَبَ عالمٌ بحالِه، فيكونُ ذلكَ قرينةً صارفةً للإسنادِ عن ظاهرِه، ولا يَتناولُ ما يُطابِقُ الاعتقادَ فقط، ولا ما لم يُطابقْ شيئًا منهما، فلمَّا زادَ قولُه عندَ المتكلِّمِ دخَلَ به ما يُطابِقُ الاعتقادَ فقط، كقولِ الجاهلِ بالمؤثِّرِ القادرِ: أَنْبَتَ الربيعُ البَقْلَ، لمَن يَعتقدُ أنَّ ذلكَ القائلَ يُضيفُ الإنباتَ للَّهِ، وعلِمَ ذلكَ القائلُ باعتقادِه، وكان المطابِقُ لهما باقيًا على دُخولِه في التعريفِ، وخَرَجَ ما طابَقَ الواقعَ فقط بعدَ أن كانَ داخلًا.

ولمَّا زادَ قولَهُ: (في الظاهرِ) ، أي: فيما يُفهَمُ من ظاهرِ حالِ المتكلِّمِ دخلَ به ما طابَقَ الواقعَ فقط، وما لم يُطابِقْ شيئًا منهما، كقولِكَ: جاءَ زيدٌ، وأنتَ تعلَمُ أنَّه لم يَجِئْ، وأظْهَرْتَ للمخاطَبِ الكذبَ، ونَصَبْتَ قرينةً على إرادةِ الكذِبِ، وصارَ التعريفُ متناولًا للأقسامِ الأربعةِ المذكورةِ، أعني ما يُطابِقُ الواقعَ والاعتقادَ، وما لم يُطابِقْ شيئًا منهما، وما يُطابِقُ الواقعَ فقط، وما يُطابِقُ الاعتقادَ فقط. دسوقيٌّ بتوضيحٍ.

(2) (167) (قولُه: الفعْلِ وما في معناهُ إلخ) ، تَبِعَ الخطيبُ في تخصيصِه المجازَ العقليَّ كالحقيقةِ العقليَّةِ بإسنادِ الفعلِ أو ما في معناهُ. وعليهِ فَتَثْبُتُ الواسطةُ بينَهما، وفيها على مذهبِه طريقتانِ: الأُولى، ومَشَى عليها ابنُ يعقوبَ والصبَّانُ والدُّسوقيُّ، أنَّها إسنادُ الخبرِ ونحوِه مُطلَقًا ولو مُشتقًّا إلى المبتدأِ ونحوِه، وعلى هذه الطريقةِ فمَبْنَى الحقيقةِ والمجازِ العقليَّيْنِ على دخولِ النِّسبةِ في مفهومِ المُسْنَدِ حقيقةً أو حُكمًا، ومَبْنَى الواسطةِ بينَهما على عَدَمِ دخولِها في مفهومِه لا حقيقةً ولا حكْمًا، فنسبةُ الجملةِ الفعليَّةِ الواقعةِ بينَ أجزائِها في نحوِ: زيدٍ يَضْرِبُ، تُوصَفُ بهما دونَ نِسبَتِها إلى المبتدأِ لكونِها خارجةً عنهُ، ونِسبةُ المشتَقِّ إلى ضميرِ المبتدأِ تُوصَفُ بهما دونَ نِسبتِه إلى المبتدأِ لكونِها خارجةً عنه، والمصدَرُ لقوَّةِ اقتضائِه النِّسبةَ صارَ في حُكْمِ ما دخلَتْ النِّسبةُ في مفهومِه، والنِّسبةُ التعليقيَّةُ في الأفعالِ أو ما في معناها ملحقَةٌ بالإسناديَّةِ، وإن كانت خارجةً عن مدلولاتِها. الطريقةُ الثانيةُ، وتؤخَذُ من ظاهرِ كلامٍ لابنِ قاسمٍ، أنَّها إسنادُ الخبرِ الجامدِ إلى المبتدأِ. وعليها فمَبْنَى الحقيقةِ والمَجازِ على عدَمِ اتِّحادِ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إليه حقيقةً أو تنزيلًا، ومَبنى الواسطةِ على اتِّحادِّهما كذلكَ، فنحوُ: إنَّما هي إقبالٌ وإدبارٌ، من قبيلِ زيدٌ أسدٌ، فكما أنَّ زيدٌ أسدٌ لا يُعتبَرُ فيه تَجوُّزٌ عقليٌّ بدَعْوى أنَّ زيدًا تَجَسَّمَ عمَّا تَجَسَّمَ عنه الأسدُ، بل يُجعلُ تشبيهًا بليغًا بإيهامِ دَعْوى الاتِّحادِ، كذلكَ إنَّما هي إقبالٌ وإدبارٌ. ولمَّا لم يَجْرِ في النِّسبةِ الاتِّحاديَّةِ التجوُّزُ العقليُّ ناسَبَ أن تكونَ بمعزِلٍ عن اعتبارِ الحقيقةِ العقليَّةِ فيها، فخُصَّ اعتبارُ كلٍّ منهما بغيرِها. ومذهَبُ الجمهورِ نفيُ الواسطةِ، وأَنَّ إسنادَ الخبرِ مُطلَقًا إلى المبتدأِ يكونُ أيضًا حقيقةً عقليَّةً إن كان لما هو له عند المتكلِّمِ في الظاهرِ، ومَجازًا عقليًّا إن كان لمُلابسٍ غيرِ ما هو له بتأوُّلٍ. وعلى هذا مَشَى السكَّاكيُّ فعَرَّفَ الحقيقةَ العقليَّةَ بأنَّها إسنادُ الشيءِ إلى ما هو له عندَ المتكلِّمِ في الظاهرِ، والمجازَ العقليَّ بأنَّه إسنادُ الشيءِ إلى غيرِ ما هو له عندَ المتكلِّمِ في الظاهرِ بتأوُّلٍ، والشيءُ أعمُّ من أن يكونَ فِعْلًا أو ما في معناهُ أو خبرًا جامدًا أو مشتقًّا أو جملةً.

(3) (168) (قولُه: لعَلاقةٍ) ، هي المشابَهةُ بينَ المُسْنَدِ إليه المجازيِّ والمُسْنَدِ إليه الحقيقيِّ في مُطلَقِ الملابَسةِ؛ وذلكَ أنَّ للفعْلِ ملابَساتٍ شتَّى، فيُلابِسُ الفاعلَ من حيثُ قيامُه به أو وقوعُه منه، والمفعولَ به من حيثُ وقوعُه عليه، والزمانَ والمكانَ من حيثُ وقوعُه فيهما، والسببَ من حيثُ إنَّه يَحْصُلُ به، والمصدَرَ من حيثُ إنَّه جزءُ معناهُ، ثمَّ الفعْلُ وما في معناهُ إنْ بُنِيَا للفاعلِ كان إسنادُ كلٍّ للفاعلِ حقيقةً، ولِمَا عَدَاه مَجازًا؛ لمشابهتِهِ للفاعلِ في مُطلَقِ الملابَسةِ، وإن بُنِيَا للمجهولِ كان إسنادُ كلٍّ للمفعولِ حقيقةً، ولمَِا عداه مجازًا؛ لمشابهتِه للمفعولِ به في مُطلَقِ الملابَسةِ. هذا مذهَبُ صاحبِ الكشَّافِ، ووافَقَه الخطيبُ في إيضاحِه. وظاهرُ كلامِه في تلخيصِه واختارَه العلَّامَةُ يَاسِينُ: أنَّها مُلابَسةُ الفعلِ وارتباطُه بالمُسْنَدِ إليهِ الذي ليسَ هو له، ولو بواسطةِ حرفِ الجرِّ. وعليه فهل لا بدَّ من تَبَيُّنِ الجهةِ بأن يقالَ: العَلاقةُ ملابَسةُ الفعلِ لذلكَ الفاعلِ المجازيِّ من جهةِ وقوعِه عليه أو فيه أو به، كما قالوا بعدَمِ كفايةِ اللزومِ والتعلُّقِ عَلاقةً للمجازِ اللغويِّ، أو يَكفي هنا جعْلُ مُطلَقِ الملابَسةِ عَلاقةً. تَرَدَّدَ في ذلكَ العلَّامةُ ياسينُ وجَعَلَ المشابَهةَ عَلاقةً لا يَقتضي كونَ هذا المجازِ استعارةً؛ لأنَّها لفظٌ استُعْمِلَ في غيرِ الموضوعِ له إلخ. والإسنادُ ليس بلفظٍ، وما وَقَعَ من تسميتِه استعارةً تَخييليَّةً في قرينةِ المكنيَّةِ عندَ القومِ والخطيبِ فعلى طريقِ النقلِ والاشتراكِ اللفظيِّ. وقولُ الْفَنَارِيِّ: إنَّ مُجرَّدَ الملابَسةِ المذكورةِ، وإن كَفَتْ في حرفِ الإسنادِ الذي هو حقُّ ما هو له إلى غيرِه، إلَّا أنَّ ملاحَظةَ المشابَهةِ المذكورةِ أدْخَلُ وأتمُّ فيه ا. هـ. يُفِيدُ أنَّ مُجرَّدَ الملابَسةِ المذكورةِ شرطٌ في الصحَّةِ، والمشابَهةَ المذكورةَ شرطٌ في الكمالِ، ولا يَبْعُدُ أنَّه أرادَ بهذا جعْلَ الخلافِ في كوْنِ العَلاقةِ هنا المشابَهةَ أو الملابَسةَ لفظيًّا بحمْلِ الأوَّلِ على شرطِ الكمالِ، والثاني على شرْطِ الصحَّةِ. وترَكَ المصنِّفُ اشتراطَ القرينةِ المعبَّرِ عنها في كلامِ السكَّاكيِّ والخطيبِ بالتأوُّلِ لفهمِه من قولِه عندَ المتكلِّمِ في الظاهرِ. نعَمْ المفهومُ من كلامِ الفناريِّ وغيرِه، وصرَّحَ به الشَّنَوَانيُّ وغيرُه، أنَّ الشرطَ نصبُها لا مُجرَّدَ وجودِها، ولا تُشترَطُ هنا المعيَّنةُ لما هو المجازيُّ ولا لما هو الحقيقةُ، فافْهَمْ.

(4) (169) (قولُه: نحوَ قولِه) ، أي: الصَّلَتَانُ العبديُّ الحماسيُّ كما في المُطَوَّلِ نسبةً لعبدِ القيسِ، ونَسبَهُ الجاحظُ في كتابِ الحيوانِ للصَّلَتَانِ الضبِّيِّ، وقالَ: هو غيرُ الصَّلَتانِ العبديِّ، وغيرُ الصَّلَتانِ الفهميِّ. والصَّلَتانُ في الأصلِ الماضي في أمْرِه وشأنِه، ومنه سيفٌ صَلَتَانيٌّ. وفي عروسِ الأفراحِ أنَّه قولُ الصَّلَتانِ العبديِّ، وقيلَ السعديُّ. وقولُه: أَشابَ الصغيرَ، أي: أوْجَدَ الشِّيبَ في الصغيرِ، وقولُه: وأَفْنَى الكبيرَ، أي: أوْجَدَ الفناءَ في الكبيرِ، وقولُه: كَرُّ الغَداةِ، فاعلُ أَشابَ أو أفْنَى، وكَرُّ الغداةِ رُجوعُها بعدَ ذهابِها بالأمسِ، وقولُه: ومَرُّ العشيِّ، معطوفٌ على الفاعلِ، ومَرُّ العشيِّ ذهابُها بعدَ حُضورِها، وهذا عبارةٌ عن تعاقُبِ الأزمانِ، وقولُه: (فإنَّ إسنادَ الإشابةِ والإفناءِ إلخ) ، فيه أنَّه ليس كلُّ إسنادٍ لغيرِ ما هو له مجازًا عقليًّا حتَّى يَنْتُجَ المطلوبُ، بل لا بدَّ فيه من أن يُعْلَمَ أو يُظَنَّ أنَّ المتكلِّمَ مؤمنٌ لا يَعتقدُ الظاهرَ ليَتحقَّقَ بذلكَ التأوَّلُ، أي القرينةُ على إرادةِ خِلافِ الظاهرِ المشترَطِ في المَجازِ، وإلَّا بأنْ عُلِمَ أو ظُنَّ أنَّه دَهريٌّ يَعتقدُ ظاهِرَه، وهو تأثيرُ الزمانِ، أو شكَّ في كونِه مؤمنًا أو دَهريًّا لم يُحمَلْ على الإسنادِ المجازيِّ. نعم قد عُلِمَ هنا أنَّ الشاعرَ لم يُرِدْ ظاهرَ الإسنادِ، وأنَّه موَحِّدٌ من قولِه بعدَ عِدَّةِ أبياتٍ من قصيدتِه:

ألَمْ تَرَ لُقمانَ أَوْصَى بُنَيَّهُ ... * ... وأَوْصَيْتَ عمْرًا ونِعْمَ الوَصِيّ

ومُرادُه بوِصايةِ لقمانَ قولُه: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ باللَّهِ} إلخ، ومن قولِه أيضًا:

فمِلَّتُنا إنَّنا المسلمونَ ... * ... على دِينِ صدِّيقِنا والنَّبِيّ

فإنَّ هذا كلَّه صريحٌ في أنَّه موحِّدٌ. فكان على المصنِّفِ أن يقولَ: فإنَّ الشاعرَ موحِّدٌ لم يُرْدِ ظاهِرَ إسنادِ الإشابةِ والإفناءِ إلى كرِّ الغداةِ ومُرورِ العشيِّ، بل أرادَ الإسنادَ لغيرِ ما هو له؛ إذ المشيبُ إلخ، فافْهَمْ. قولَه: (ويُعلَمُ ممَّا سبَقَ) ، توضيحُه أنَّ نحوَ راضيةٍ من قولِه تعالى: {فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} ، إن اعتُبِرَ فيه أنَّ لفظَ اسمِ الفاعلِ أُريدَ به اسمُ المفعولِ لِعَلاقةِ التعلُّقِ الاشتقاقيِّ، كان مَجازًا مرسَلًا لُغويًّا، وإن اعتُبِرَ فيه أنَّ إسنادَ راضيةٍ إلى ضميرِ العِيشةِ لعَلاقةِ المشابَهةِ بينَ المُلابِسِ الواقعِ عليهِ الرضا والملابِسِ الواقعِ منه الرضا كان مَجازًا عقليًّا، وقِسْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت