والصلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ مَنْبَعِ الْعِلْمِ وَالرِّسَالَةِ، وَعَلَى آلِهِ الْمُطَهَّرِينَ، وَصَحَابَتِهِ الْوَارِثِينَ لأَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
(وَالصَّلاةُ) بِالرَّفْعِ؛ أَي: الرَّحْمَةُ، (وَالسَّلامُ) ؛ أَي: الأَمَانُ، (عَلَى سَيِّدِنَا) مُشْتَقٌّ مِنَ السيادةِ، وَهُوَ الْمَجْدُ وَالشَّرَفُ، (مُحَمَّدٍ) وَهُوَ أشرفُ أَسْمَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، (مَنْبَعِ الْعِلْمِ) بالجَرِّ: مَخْرَجُهُ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ، وَعَلِيٌّ بَابُهَا، فَمَنْ أَرَادَ الْعِلْمَ فَلْيَأْتِ الْبَابَ ) ). رَوَاهُ الْحَاكِمُ.
(وَالرِّسَالَةِ) ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ: " لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيًّا مِنْ آدَمَ فَمَنْ بَعْدَهُ إِلاَّ أَخَذَ عَلَيْهِ العَهْدَ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَئِنْ بُعِثَ وَهُوَ حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرَنَّهُ ". وَيَأْخُذُ العَهْدَ بِذَلِكَ عَلَى قَوْمِهِ كَمَا فِي الآيَةِ الشريفةِ. (وَعَلَى آلِهِ الْمُطَهَّرِينَ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} .
(وَصَحَابَتِهِ الْوَارِثِينَ لأَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ) ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ: (( أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ ) ). (إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) ؛ أَي: الْجَزَاءِ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِهِ؛ لأَنَّ فِيهِ جَزَاءَ الْمُؤْمِنِ بالثَّوَابِ، وَجَزَاءَ الْكَافِرِ بِالْعِقَابِ.
(قَوْلُهُ: أَيِ: الرَّحْمَةُ) ؛ أَيْ: مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى, وَمِنْ غَيْرِهِ دُعَاءٌ، سَوَاءٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ، والصحيحُ مَا قِيلَ فِي مَعْنَى صَلاةِ الرَّبِّ عَلَى عَبْدِهِ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: صَلاةُ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلائِكَةِ. اهـ
وَقَوْلُهُ: بِالرَّفْعِ؛ أَيْ: عَلَى الابْتِدَاءِ، والجارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي قَوْلِهِ: عَلَى سَيِّدِنَا ـ خَبَرٌ عَنْهُ، وَإِنَّمَا عُدِّيَتْ بِعَلَى لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الْعَطْفِ والتَّبْكِيتِ عَلَى الشيعةِ الَّذِينَ لا يَفْصِلُونَ بينَهُ وَبَيْنَ آلِهِ بِعَلَى، الزَّاعِمِينَ وُرُودَ حَدِيثٍ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ: (( لا تَفْصِلُوا بَيْنِي وَبَيْنَ آلِي بِعَلَى ) ).
وَهُوَ حَدِيثٌ موضوعٌ وَمَرْدُودٌ وَوَجْهُ الرَّدِّ مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ الصَّحَابَةَ قَالُوا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ: (( اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ ) ). كَمَا ذَكَرَهُ الجلالُ المَحَلِّيُّ فِي شرحِ المنهاجِ؛ لأنَّها مِنْ أَكْبَرِ النِّعَمِ، إِذْ بِهَا يَحْصُلُ النَّجَاحُ الدُّنْيَوِيُّ والأُخْرَوِيُّ.
(قَوْلُهُ: وَالسَّلامُ؛ أَي: الأَمَانُ) ؛ أَيْ: مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَإِنْ كَانَ مَغْفُورًا لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ مَعْصُومًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ـ يَخَافُ خَوْفَ إجلالٍ وَتَعْظِيمٍ؛ لأَنَّ الخوفَ عَلَى قَدْرِ المعرفةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: (( أَنَا أَعْرَفُكُمْ بِاللَّهِ وَأَخْوَفُكُمْ مِنْهُ ) ).
(قَوْلُهُ: عَلَى سَيِّدِنَا) وَهُوَ مَنْ سَادَ فِي قَوْمِهِ، أَوْ مَنْ كَثُرَ سَوَادُهُ؛ أَيْ: جَيْشُهُ، أَوْ هُوَ الحليمُ الَّذِي لا يَسْتَفِزُّهُ الْغَضَبُ، وَلا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الأَوْصَافَ اجْتَمَعَتْ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(قَوْلُهُ: مُحَمَّدٍ) بَدَلٌ مِنْ سَيِّدِنَا، و (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَشْرَفُ أَسْمَائِهِ) ؛ أَيْ: وَأَشْهَرُهَا بَيْنَ العَالَمِينَ، وَلِذَا خُصَّتْ بِهِ الْكَلِمَةُ المُشَرَّفَةُ.
(قَوْلُهُ: كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ) ، إِنَّمَا قِيلَ فِيهِ: كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ لِصَنَمٍ قَطُّ.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي الآيَةِ الشريفةِ) . وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} .