أَمَّا بَعْدُ .. فَهَذِهِ وُرَيْقَاتٌ في عِلْمِ الميراثِ، جَعَلْتُهَا للقَاصِرِينَ مِثْلِي رَاجِيًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ فِيهَا الإخلاصَ، والقَبُولَ؛ لِتَكُونَ لِمَا فَوْقَهَا سُلَّمَ الوُصُولِ, وَرَتَّبْتُهَا عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَمَقْصِدٍ وَخَاتِمَةٍ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا بِهَا حُسْنَ الْخَاتِمَةِ.
(أَمَّا بَعْدُ) ؛ أَيْ: بَعْدَ مَا ذُكِرَ مِنَ البسملةِ والحَمْدَلَةِ وَالصَّلاةِ وَالسَّلامِ، (فَهَذِهِ) ؛ أَي: المُصَّوَّرَةُ ذِهْنًا. (وُرَيْقَاتٌ) جَمْعُ وُرَيْقَةٍ، تَصْغِيرُ وَرَقَةٍ، وَإِنَّمَا صُغِّرَتْ تَنْشِيطًا لِلْهِمَّةِ القَاصِرَةِ؛ لأَنَّهَا تَسْتَخِفُّ وَتَتَوَجَّهُ إِلَى الشَّيْءِ الْقَلِيلِ، (فِي عِلْمِ) قِسْمَةِ، (الْمِيرَاثِ) ؛ أَي: الإِرْثِ، وَهُوَ كَمَا سَيَأْتِي التَّرِكَةُ؛ أَي: الْمَالُ الَّذِي تَرَكَهُ المُوَرِّثُ، (جَعَلْتُهَا) ؛ أَيْ: تِلْكَ الوُرَيْقَاتِ، (لِلْقَاصِرِينَ) فِي الفَهْمِ، حَالَ كَوْنِهِمْ (مِثْلِي) تَوَاضُعًا مِنْهُ، حَالَ كَوْنِي فِي ذَلِكَ الجَعْلِ (رَاجِيًا) ؛ أَيْ: طَالِبًا (مِنَ اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَ فِيهَا) ؛ أَيْ: تِلْكَ الوُرَيْقَاتِ، (الإِخْلاصَ) وَهُوَ عَدَمُ قَصْدِ غَيْرِهِ تَعَالَى.
(وَالقبولَ) وَهُوَ عَدَمُ الرَّدِّ، إِذْ بِهَا يَتِمُّ النَّفْعُ؛ (لِتَكُونَ) عِلَّةً لِقَوْلِهِ: جَعَلْتُهَا. (لِمَا فَوْقَهَا) مِنْ كُتُبِ الْفَرَائِضِ كَالمَنْظُومَةِ الرَّحْبِيَّةِ، (سُلَّمَ الوُصُولِ) وَهُوَ فِي الأَصْلِ الَّذِي يُرْتَقَى عَلَيْهِ، (وَرَتَّبْتُهَا) ؛ أَيْ: تِلْكَ الوُرَيْقَاتِ.
(عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَمَقْصِدٍ) : وَهُوَ الَّذِي يُقْصَدُ بِوَضْعِ التأليفِ، وَهُوَ بَيَانُ الأحوالِ الأَرْبَعِينِيَّةِ للوَرَثَةِ، (وَخَاتِمَةٍ) ؛ أَيْ: فِي بَيَانِ الحَجْبِ، (نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا بِهَا) ؛ أَيْ: بِتِلْكَ الْوُرَيْقَاتِ، (حُسْنَ الْخَاتِمَةِ) آمِينَ.
(قَوْلُهُ: ذِهْنًا) ؛ أَيْ: فِي الذِّهْنِ، وَهِيَ ـ أَي: المُصَّوَّرَةُ ـ الألفاظُ المَخْصُوصَةُ منْ حَيْثُ دَلالَتُهَا عَلَى الْمَعَانِي المَخْصُوصَةِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ صَحَّتِ الإشارةُ لِمَا فِي الذهنِ مَعَ أَنَّ اسْمَ الإشارةِ مَوْضُوعٌ للمُشَارِ إِلَيْهِ المَحْسُوسِ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ نَزَّلَ مَا فِي الذهنِ مَنْزِلَةَ المَحْسُوسِ؛ لِشِدَّةِ اسْتِحْضَارِهِ، وَاسْتَعْمَلَ فِيهِ اسْمَ الإشارةِ عَلَى طَرِيقِ الاستعارةِ.
(قَوْلُهُ: تَنْشِيطًا لِلْهِمَّةِ الْقَاصِرَةِ) . هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ التنشيطَ للهِمَّةِ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا إِلاَّ مِنَ التعبيرِ عَن الْكِتَابِ بِمَا يُفِيدُ قِلَّتَهُ، وَلا يَظْهَرُ إِلاَّ لَوْ كَانَ الْكِتَابُ كَثِيرًا فِي نَفْسِ الأَمْرِ، فَإِذَا عَبَّرَ عَنْهُ بِمَا يُفِيدُ قِلَّتَهُ اقْتَحَمَ الطَّالِبُ صُعُوبَةَ السلوكِ فِيهِ, وَنَشِطَ لِتَعَاطِيهِ، مَعَ أَنَّ الْكِتَابَ فِي نَفْسِ الأَمْرِ قَلِيلٌ فَيَقْتَضِي التسهيلَ والتنشيطَ منْ ذاتِهِ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كلامِهِ مَا يُفِيدُ حَصْرَ التنشيطِ فِي التعبيرِ بذاكَ, فَإِفَادَةُ التعبيرِ لَهُ لا تُنَافِي إفادةَ غَيْرِهِ كَذَاتِهِ لَهُ. اهـ إِفَادَةُ ابْنِ الهَدَّةِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الوَرَقَاتِ.
(قَوْلُهُ: تَوَاضُعًا مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِنْ شَيْخِنَا حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ أَطَالَ اللَّهُ عُمُرَهُ فِي عَافِيَةٍ طَالَمَا يَتَوَارَى مِنَ الظُّهُورِ، وَلا غَرَابَةَ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الشَّجَرَةَ إِذَا أَثْمَرَتْ وَصَلُحَتْ تَدَانَتْ لِقَاطِفِ ثِمَارِهَا وَطَالِبِ حَصَادِهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِهَا مِنَ الثَّمَرِ شَيْءٌ اعْتَلَتْ وَطَلَبَتْ بِرَأْسِهَا عَنَانَ السَّمَاءِ، وَكَذَلِكَ الشَّخْصُ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ سِوَى الهَذَيَانِ، تَرَاهُ يَرْفَعُ أَنْفَهُ وَيَظُنُّ أَنَّهُ لا يُوجَدُ مِثْلُهُ فَوْقَ البَسِيطَةِ، وَلَوْ نَظَرَ مَا بَيْنَ جَنْبَيْهِ لَسَلِمَ.
(قَوْلُهُ: رَاجِيًا) حَقِيقَةُ الرَّجَاءِ بالمَدِّ: تَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِمَرْغُوبٍ فِيهِ مَعَ الأَخْذِ فِي الأسبابِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَخْذٌ فِي الأسبابِ فَطَمَعٌ، وَهُوَ مَذْمُومٌ، وَأَمَّا الرَّجَا بالقَصْرِ فَهُوَ النَّاحِيَةُ، وَالأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا. اهـ ـ إِعَانَةُ الطَّالِبِينَ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ فِي الأَصْلِ يُرْتَقَى عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: لِيُتَوَصَّلَ بِهِ منْ سُفْلٍ إِلَى عُلْوٍ، قَالَ تَعَالَى: {أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ} . وَهُوَ فِي الْمَعَانِي: كُلُّ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ منْ قَرِيبٍ إِلَى بَعِيدٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، حقيقةٌ فِي المحسوساتِ، مَجَازٌ فِي غَيْرِهَا، وَوَجْهُ العلاقةِ أَنَّ سَبَبَ هَذَا التأليفِ لِصِغَرِ حَجْمِهِ وَقُرْبِهِ وَسُهُولَةِ فَهْمِهِ بالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ منْ مُصَنَّفَاتِ عِلْمِ الفرائضِ الصَّعْبَةِ المُطَوَّلَةِ، بِمَثَابَةِ السُّلَّمِ الَّذِي يُرْتَقَى بِهِ منْ أَرْضٍ إِلَى سَمَاءٍ؛ لأَنَّهُ يُعِينُ عَلَى فَهْمِهَا وَالدُّخُولِ فِي عِلْمِهَا.
(قَوْلُهُ: لِلْوَرَثَةِ) ؛ أَيْ: ذَوِي الفُرُوضِ، وَهُمْ ثَلاثَةَ عَشَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي المَقْصِدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.